كتاب وشعراء

منفى القلب.. بقلم الشاعر القدير: د. عبدالكريم بعلبكي

أحبّكِ…

لكنّ في فمي مدينةً من الصمت،
وفي يديَّ أصابعَ أنهكها التردّد،
حتى نسيتْ كيف ترتجفُ
حين تلامسُ وردة.

كنتُ أعودُ من النهار
وفي معطفي رائحةُ الكتب،
وفي جيبي مفاتيحُ كثيرة
لأبواب البوح والصمت؛
فتحتُها جميعًا،
إلّا البابَ الذي يقودني إليكِ.

يا امرأةً تسلّلتْ إلى دمي
كما يتسلّلُ القمرُ إلى بئرٍ مهجورة،
كيف أقولُ لكِ أحبّكِ
ولم أتعلّمْ بعدُ
لغةَ الذين يتركون وجعهم
على عتبة الوطن؟

لم يكن الكبرياءُ حارسًا لقلبي،
كنتُ الغريبَ عنه؛
أجيئه متأخّرًا،
فأجده قد أطفأ جنوبَه،
وأخفى تحت وسادته
رسالةً لم يجرؤ على إرسالها.

أنتِ…

كلّما انحنيتُ على كرامتي
نهض وجهُكِ من الورقة،
وكلّما أوصدتُ بابًا خوفًا
فتحتِ في الجدار نافذةً
تطلّ على جسد الاشتياق.

حتّى الساعةُ فوق مكتبي
صارت تدور حول اسمكِ،
والوقتُ الذي أنفقتُه على العالم
عاد إليّ ذات مساء
بشعرٍ أبيض،
وقلبٍ يبحث عن رعشته الأولى.

أخافُ أن أقولَ أحبّكِ،
فينكسرَ هذا الشغفُ الغامض
الذي أراكِ من خلاله
أكثرَ من امرأة،
وأبعدَ من معجزةٍ
يضيقُ بها الكلام.

فدعيني هكذا…

رجلًا يخبّئ في حنجرته عصفورًا؛
كلّما اقتربتِ
أطبق الصمتُ جناحيه،
وكلّما ابتعدتِ
طار في داخلي،
حتى تناثرتْ من روحي
ريشاتٌ على هيئة اعتراف.

أنا الذي أتقن بناء البيوت
ولم يعرف كيف يسكن قلبًا،
شيّدتُ من ساعات عمري
جسرًا لعبور الآخرين،
ثم وقفتُ على ضفّته،
أراكِ تعبرين إلى أحلامي،
ولا أملك شجاعة الماء
في شتاء تشرين.

أحبّكِ…

أقولها الآن لليل،
للمرآة التي لا تفضحني،
للنافذة التي تحفظ سرّ المطر،
وأترك لكِ باب قلبي مواربًا
كي لا تسمعي وقع اعترافي.

فإن سألتِني يومًا:
لماذا لم تقل لي؟

سأمدّ إليكِ يدًا
ما زالت تحمل غبار السنين،
وأقول:

تأخّرتُ يا امرأة…
لم يكن ينقصني الحبّ،
كان ينقصني أن أعود من العالم
قبل أن يصبح قلبي
منفى لا يعرف الطريق إليكِ.

لكنّني، حين عدتُ،
وجدتُ الجنوبَ في قلبي يشتعل،
والحبَّ تحت أنقاضه
يكتب اسمكِ بآخر ما تبقّى من دمي…

ناديتُكِ،
فأجابني الركام.

وكان صوتُكِ،
للمرّة الأولى،
أقربَ إليّ من النجاة،
وأبعدَ من يدٍ
تنتشلُ وطنًا من موتِه.

وحين انطفأ الجنوبُ،
أضاءتْ عيناكِ…

فاكتشفتُ أنّني
لم أكن أبحثُ عن امرأة،
بل عن وطنٍ
يستطيعُ أن يحبَّ
دون أن يحترق.

شعر: د. عبد الكريم بعلبكي
لبنان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى