
لا يتحدَّد حضور الأدب في المشهد الثقافي بعدد قرائه أو باعتراف المؤسسات وحده، بل بقدرته على تجديد أسئلة المجتمع واللغة والإنسان، وبفرص وصوله إلى قراء خارج بيئته الأولى. في هذه العملية يتباين موقع الأكاديمي عن موقع الكاتب الحر، لكن التباين ليس بين مهنتين بقدر ما هو بين ممارستين قد تجتمعان في الشخص نفسه أو تفترقان.
يتعامل الأكاديمي مع النص موضوعاً للبحث والتحليل والمقارنة، ويستند إلى مناهج تفسره وتضعه في سياقه. أما الكاتب الحر فينطلق من تجربة إبداعية يحولها إلى لغة وشكل ورؤية، وقد يختبر ما لم تستوعبه المناهج النقدية بعد. لكن «الحر» مصطلح يحتاج تحديداً: حرية عن المؤسسة أم عن السوق أم عن الرقابة أم عن التوقعات الجمالية؟ لا يوجد كاتب خارج كل الضغوط. وقد يكون الأكاديمي مغامراً في إبداعه، أو البعيد عن الجامعة مكررًا لما يضمن الرواج. الفارق إذن في الممارسة: هل يعيد الكاتب إنتاج الصور الجاهزة أم يختبرها ويعيد النظر فيها؟
تتجلى أهمية الكاتب في أنه لا يكتفي بتمثيل واقعه، بل يعيد تشكيله فنياً. وقد يكتب عن الحرب أو الذاكرة أو الهجرة، لكن قيمة تجربته تتوقف على ابتكار صوت وبناء وشخصيات تمنح الموضوع تعقيده الإنساني. في «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي، لا يُعرض العنف العراقي سجلاً للأحداث، بل بناءً تخييلياً تتداخل فيه الأجساد والذاكرة والخوف والمسؤولية. يستطيع الناقد تحليل آليات السرد وقراءة علاقة الرواية بتاريخها الاجتماعي، لكنه لا يقوم مقام الكاتب في ابتكار عالمها. وفي المقابل، تكشف القراءة النقدية جوانب لا تظهر في التلقي الأول، وتفتح مجالاً للمقارنة دون محو الخصوصية العراقية.
ويتضح الفرق في ثلاثية نجيب محفوظ، إذ صاغ عالم الأسرة القاهرية وتحولات المجتمع عبر شخصيات تتغير علاقاتها بالسلطة والعائلة والجيل، فغدت التفاصيل المحلية جزءاً من بناء يتيح أسئلة تتجاوز زمانها ومكانها. لكن ليس كل نص محلي يكتسب حضوراً عالمياً تلقائياً، بل تصبح الخصوصية مصدراً للمعنى الأوسع حين تتجسد في صياغة فنية، وتساعد القراءة النقدية على إظهار هذه الصلة.
غير أن الإبداع والقراءة لا يكفيان لضمان انتقال الأدب العربي إلى لغات أخرى. فالترجمة تحتاج مؤسسات تتبنى مشاريع طويلة الأمد، وتختار بمعايير أدبية واضحة، وتوفّر مترجمين متمكنين، وتدعم التحرير والنشر والتوزيع. وهذه المؤسسات ليست كياناً واحداً، بل تختلف بين ناشرين وجامعات وجوائز ومنصات وهيئات رقابة، وقد تتعارض مصالحها. والسوق والجوائز والوكالات تؤثر في الانتشار أكثر من جودة النص أحياناُ، كما تختلف أنماط التلقي بين قارئ أكاديمي وعادي وسوق. ويمكن للأكاديميين إعداد دراسات تعريفية واقتراح نصوص تستحق الترجمة، بينما توفر المؤسسات الموارد والشراكات.
ومن هنا ضرورة التمييز بين الانتشار والعالمية. فالانتشار اتساع دائرة التداول، أما العالمية فاتصال بقدرة العمل على الدخول في حوار متجدد مع قراء من ثقافات مختلفة. وقد يساعد الانتشار على فتح هذا الحوار، لكنه لا يضمن استمراره، مثلما قد يتأخّر وصول عمل مهم بسبب ضعف الترجمة أو محدودية التوزيع أو الرقابة. ولا يصح اختزال قيمة النص في عدد نسخه أو لغاته، ولا فهم بقائه في لغته الأصلية دليلاً على محدودية قيمته.
إن تعزيز حضور الكاتب العربي يبدأ بإفساح المجال للتجريب والاختلاف، وبقراءة أعماله دون اختزالها في سياقها المحلي، وبسياسة ثقافية تجعل الترجمة والنشر مسؤولية مستمرة. لا يحتاج الكاتب إلى التخلي عن خصوصيته كي يُقرأ خارج ثقافته، كما لا يحتاج الأكاديمي إلى فرض حكم نهائي. الأهم أن تلتقي حرية الإبداع مع نقد جاد ومؤسسات قادرة على فتح طرق الوصول، مع الاعتراف بأن عبور النص إلى ثقافة أخرى بداية لعلاقة جديدة معه، لا غاية مكتملة.
ماجد القيسي