كتاب وشعراء

اغتيال الأدب باسم الاختصار.. بقلم الأديب القدير: حامد الضبياني

أخطر ما يمكن أن يحدث للأدب أن يتحول الكاتب من صانع للفكر إلى منفذ لرغبات جمهور لا يريد أن يقرأ، وأن تصبح قيمة النص محسوبة بعدد الأسطر التي لا تزعج عين القارئ، لا بعمق الفكرة التي توقظ عقله. عند هذه النقطة لا يعود السؤال متعلقاً بتطور الأجناس الأدبية، بل بمصير اللغة نفسها، وبالطريق الذي نسلكه ونحن نختصر الحكايات والمشاعر والتجارب الإنسانية حتى نرضي ذائقة اعتادت استهلاك كل شيء بسرعة، ثم انتقلت من استهلاك الصور والمقاطع إلى استهلاك الأدب أيضاً. لقد أصبحنا أمام ظاهرة تستحق التوقف والمساءلة: هل تطور الأدب العربي فعلاً، أم أننا نعيد تشكيله وفق قدرة القارئ على الاحتمال، ونضغط الرواية في قصة، والقصة في ومضة، والتجربة الإنسانية في سطرين، ثم نطلق على هذا الانكماش اسم الحداثة؟…لا أكتب دفاعاً عن طول النص لمجرد طوله، ولا اعتراضاً على الومضة القصصية باعتبارها جنساً أدبياً له مكانته وشروطه، فالأدب عرف الحكاية القصيرة جداً، وعرف القصة القصيرة والرواية والمسرحية والشعر، ولكل فن منطقه الجمالي وأدواته. لكن الاعتراض يبدأ عندما تتحوَّل الومضة من خيار إبداعي إلى موضة تفرض نفسها، وعندما يصبح السطران بديلاً عن القدرة على بناء عالم سردي، وعندما يُقاس نجاح الكاتب بسرعة انتشاره لا بعمق ما يتركه في ذاكرة الإنسان. هنا ينبغي أن نسأل بصراحة: هل كل اختصار إبداع؟ وهل كل نص قصير دليل على براعة صاحبه؟ أم أن بعض ما يُنشر تحت لافتة الومضة ليس سوى فكرة مبتورة، أو خاطرة عابرة، أو حكمة مستهلكة ارتدت ثوب القصة كي تدخل سوق التداول الثقافي؟…الأدب ليس سباقاً نحو أقل عدد من الكلمات، وليس عملية حسابية نحذف منها الجمل حتى نصل إلى نص يرضي متصفحاً لا يمنح القراءة أكثر من ثوانٍ. الأدب تجربة إنسانية تحتاج أحياناً إلى مساحة كي تتنفَّس، وإلى شخصيات تنمو، وأحداث تتشابك، وذاكرة تستعيد وجعها، وحوار يكشف ما تخفيه النفوس. هناك حكايات لا يمكن اختزالها دون أن نفقد روحها، وهناك آلام لا تكفيها جملة، وتجارب لا تستطيع ومضة أن تحمل ثقلها مهما بلغت براعة الكاتب. فكيف نطلب من روائي أن يختصر عالماً كاملاً في فقرة، ومن قاصٍ أن يضغط حياة إنسان في سطرين، ثم نحتفل بهذا الاختزال وكأننا حقَّقنا فتحاً أدبياً؟..
إنَّ الخطر الحقيقي يكمن في أن الكاتب قد يبدأ بمسايرة السوق، ثم ينتهي إلى فقدان صوته. يراقب ما يلقى الإعجاب، ويتابع ما يحصد الانتشار، ويعيد تشكيل أفكاره وفق ما يطلبه الجمهور، حتى تصبح الكتابة عنده استجابة لمزاج المتلقي لا تعبيراً عن رؤيته الخاصة. وحين يعتاد هذا الطريق، قد يتردد في كتابة نص طويل، ويخشى التوسُّعَ في الفكرة، ويتجنَّب الاقتراب من القضايا الشائكة، ويحسب كلماته لا وفق ما يريد قوله، بل وفق ما يستطيع نشره دون أن يفقد جمهوره. عندها لا نكون أمام اختصار فني، بل أمام رقابة اجتماعية ناعمة يمارسها الكاتب على نفسه، وأمام كبت أدبي يجعل القلم يتعلَّم الصمت قبل أن يتعلَّم الكلام..
والمفارقة أنَّ بعض الذين يرفعون شعار التطور الأدبي يخلطون بين مواكبة العصر والتنازل عن شروط الكتابة. التطور لا يعني أن نتخلَّى عن الرواية، ولا أن نغلق أبواب القصة الطويلة، ولا أن نُحَوِّل الأدب إلى عبارات قابلة للاستهلاك السريع. التطور الحقيقي أن تتعدّد الأشكال، وأن تتسع مساحة التجريب، وأن يجد القارئ أمامه نصاً قصيراً متقناً ورواية عميقة وقصة مكتملة ومسرحية قادرة على مساءلة الواقع. أما أن نمنح شكلاً واحداً سلطة على بقية الأشكال، فذلك ليس تطوراً، بل تضييق لمساحة الإبداع….ولنكن أكثر صراحة في تشخيص المشكلة؛ نحن نعيش في فضاء ثقافي تتنافس فيه المعرفة مع التسلية السريعة، وتتنافس فيه الكتب مع المقاطع العابرة، ويجد الكاتب نفسه أحياناً مضطراً إلى منافسة التفاهة على انتباه الجمهور. أصبح بعض المحتوى السطحي يحصد حضوراً واسعاً، بينما يحتاج الكتاب الجاد إلى جهد طويل كي يصل إلى قارئه. وليس من الإنصاف أن نحمل القارئ وحده مسؤولية هذا التراجع، فالمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية والناشرون جميعاً شركاء في صناعة الذائقة العامة. لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الأديب الذي يعرف قيمة اللغة، ويدرك أن مهمته ليست تكرار ما يطلبه الجمهور، بل فتح نوافذ جديدة أمام وعيه، ودعوته إلى اكتشاف ما لم يكن يعرف أنه قادر على قراءته وفهمه…
إنّ المجتمع الذي لا يقرأ لا يمكن أن يستعيد علاقته بالكتاب عن طريق تقليص الكتاب حتى يصبح منشوراً عابراً. نحن بذلك نعالج ضعف القراءة بمزيد من الاختزال، ونواجه ضمور الوعي بنصوص لا تمنح العقل فرصة كافية للتأمل. ومن واجب الكاتب ألا يحتقر القارئ، لكنه أيضاً لا ينبغي أن يحتقر قدرته على الفهم، أو يفترض أنه عاجز عن متابعة رواية أو قراءة قصة تتجاوز بضعة أسطر. القارئ ليس كتلة واحدة، والذائقة ليست حكماً نهائياً، وما يحتاجه المجتمع أحياناً ليس أن نكتب له ما اعتاد عليه، بل أن نقدم له ما يوسّع أفقه ويرفع مستوى انتظاره… لقد صنعت الروايات الكبرى عوالم كاملة، وأعادت تشكيل نظرة الإنسان إلى التاريخ والمجتمع والسلطة والحب والحرب والفقر والحرية. واستمدَّت السينما والمسرح والتلفزيون كثيراً من أعمالها من روايات وقصص تركت أثراً عابراً للأجيال. لم تكن قوة تلك الأعمال في أنها اختصرت الإنسان، بل في أنها منحته مساحة ليظهر بكل تناقضاته، وليعيش القارئ معه محناً وأسئلة وتحولات لا تستطيع العبارة العابرة أن تستوعبها. فالعمل الأدبي العظيم لا ينتهي بانتهاء قراءته، بل يبدأ أثره الحقيقي بعد أن يغلق القارئ الكتاب.
ومن المؤسف أن يتحوّل بعض المشهد الثقافي العربي إلى سوق للمجاملة والتصفيق، حيث تُمنح الألقاب بسهولة، وتُوزع شهادات الإبداع دون معايير واضحة، وتُرفع نصوص لا تمتلك من القصة سوى عنوانها، ولا من الومضة سوى قصرها، إلى مرتبة الإنجاز الأدبي الكبير. وليس العيب في أن يكتب الإنسان نصاً قصيراً، بل في أن نخلط بين كل كتابة عابرة وبين الفن، وأن نساوي بين من أمضى سنوات في بناء عالم روائي وبين من وضع جملة مألوفة وأحاطها بعنوان مثير، ثم انتظر التصفيق. إن احترام الأدب يبدأ من احترام الفروق بين أنواعه، ومن عدم تحويل الشهرة الرقمية إلى شهادة إبداع… وأنا أرى أن على الأديب العربي أن يستعيد موقعه بوصفه صاحب رؤية، لا تابعاً لمزاج السوق. عليه أن يكتب الرواية إذا احتاجت فكرته إلى رواية، وأن يكتب القصة إذا اكتملت تجربته في قصة، وأن يكتب الومضة إذا كانت الفكرة لا تحتاج إلى أكثر من تلك المساحة. لا ينبغي أن يخجل من النص الطويل، ولا أن يعتذر عن عمق لغته، ولا أن يضغط مشاعره كي يرضي جمهوراً يريد أن يمرَّ على كل شيء دون أن يتوقَّف عند شيء. فاللغة العربية ليست عبئاً ينبغي تخفيفه، وإنما إرث حضاري ووعاء فكري قادر على التعبير عن أدق المشاعر وأعقد الأفكار، ومن واجبنا أن نوسع إمكاناتها لا أن نحاصرها في قوالب ضيقة.
إن الفرق كبير بين ومضة تفتح نافذة في جدار الظلام، وومضة تتحوّل إلى جدار يحجب بقية النوافذ. الأولى إبداع يضيء لحظة ويترك العقل يعمل، والثانية اختزال يكتفي بلمعان سريع ثم ينطفئ.
والفرق أكبر بين كاتب يختار القصر لأنه امتلك القدرة على التكثيف، وكاتب يهرب إلى القصر لأنه لم يمتلك أدوات البناء. لا يجوز أن نحاكم الأجناس الأدبية بحجمها، لكن من حقنا أن نحاكم النص بقدرته على تحقيق غايته، وأن نرفض منح الاختصار حصانة من النقد لمجرد أنه يحمل اسماً حديثاً. الأدب العربي لا يحتاج إلى أن يصبح أقصر كي يثبت أنه معاصر، بل يحتاج إلى أن يصبح أعمق وأكثر جرأة وصدقاً واتساعاً. يحتاج إلى روايات تعيد الاعتبار للإنسان، وقصص تقترب من وجعه، ونصوص لا تخاف من الأسئلة الصعبة، وأقلام لا تستبدل الحقيقة بما يضمن التصفيق. إن مسؤولية الكاتب ليست أن يركض خلف جمهور يرفض القراءة، بل أن يعيد إليه شهيتها، وأن يقوده من الاستهلاك إلى التأمل، ومن العبارة العابرة إلى الفكرة التي تستحق أن يعيش معها.فلا تجعلوا من الومضة سقفاً للأدب، ولا من القصة القصيرة بديلاً عن الرواية، ولا من سرعة الانتشار مقياساً لقيمة الكلمة. اكتبوا كما تتطلب الفكرة، لا كما يشتهي السوق، واتركوا للمشاعر حقها في الامتداد، وللذاكرة حقها في الحكاية، وللعقل حقه في السؤال. فالكاتب الذي يختصر كل شيء خوفاً من أن يغادر القارئ صفحته، قد يكتشف ذات يوم أنه غادر هو نفسه رسالته. وعندما يصبح الأدب تابعاً لمزاج الجهل، تتحول اللغة من قوة تصنع الوعي إلى بضاعة تبحث عن مستهلك.
إننا لا نخشى الومضة التي تضيء العقول، بل نخشى أن تتحول الومضة إلى ظلام دائم، وأن نختصر الأدب حتى لا يبقى منه ما يستحق القراءة. فالأمم لا تنهض بسطرين يصفِّق لهما العابرون، وإنما بعقول تقرأ، وأقلام تفكر، ولغة لا تخجل من عظمتها.

حامد الضبياني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى