ضربة قوية ضد ايران: حدود الحسم العسكري ومخاطر اتساع الحرب بقلم: اللواء الدكتور محمد الدسوقي
خبير الدراسات الاستراتيجية والعلوم السياسية
لم يعد السؤال بشأن توجيه ضربة عسكرية قوية ضد إيران مقصورًا على قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل
على إلحاق خسائر بالقدرات الإيرانية، وإنما أصبح متعلقًا بما سيحدث بعد الضربة: هل تدفع طهران إلى تقديم تنازلات، أم تفتح مواجهة يصعب احتواء مساراتها؟ وهل تستطيع الدول العربية حماية مصالحها وأراضيها
من تداعيات حرب قد لا تشارك في اتخاذ قرارها، لكنها تتحمل جانبًا كبيرًا من تكلفتها؟
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية متزايدة في ضوء تقارير نُشرت خلال شهر أكتوبر ٢٠٢٦ بشأن إعداد خيارات لاستئناف ضربات واسعة ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في ٣ نوفمبر. ومع ذلك،
فإن التخطيط العسكري والتحركات الدفاعية لا يعنيان صدور قرار نهائي بالتنفيذ؛ إذ تظل الاتصالات الدبلوماسية قائمة بالتوازي مع الاستعدادات العسكرية. ومن ثم، تتناول هذه القراءة تداعيات سيناريو محتمل، ولا تفترض حتمية وقوعه.
من تدمير الأهداف إلى تحقيق الغايات:
يتوقف تقدير نتائج أي ضربة على طبيعة أهدافها ومدتها. فهناك فارق بين عملية محدودة تستهدف منشآت عسكرية بعينها، وحملة ممتدة لضرب القدرات الصاروخية والنووية ومراكز القيادة والبنية الاقتصادية، وعملية تستهدف إضعاف النظام السياسي نفسه.
كلما اتسعت الأهداف، ارتفعت احتمالات أن تنظر القيادة الإيرانية إلى المواجهة باعتبارها تهديدًا لبقاء الدولة
أو النظام، فتتراجع جدوى ضبط النفس، ويصبح توسيع الرد خيارًا أكثر حضورًا. وهنا تكمن المعضلة: قد تنجح الضربة في تدمير منشآت، لكنها تفشل في فرض السلوك السياسي المطلوب.
كما أن إضعاف القدرات النووية أو العسكرية لا يعني بالضرورة إزالة المعرفة الفنية أو الإرادة السياسية لإعادة بنائها. وقد تدفع الحرب إلى مزيد من السرية والتشدد، بما يجعل الرقابة والتفاوض أكثر صعوبة. ولذلك، لا يُقاس النجاح الاستراتيجي بحجم الدمار وحده، وإنما بقدرة العملية على إنتاج ترتيبات أمنية أكثر استقرارًا.
الدول العربية في دائرة التأثر المباشر:
تواجه الدول العربية، ولا سيما الخليجية، معادلة دقيقة: حماية أمنها من التهديدات الإيرانية، مع تجنب التحول
إلى ساحات للمواجهة أو أهداف للرد، وقد تتعرض الدول المستضيفة لقوات أو منشآت عسكرية أمريكية لضغوط وتهديدات، حتى إذا لم تشارك في الهجوم؛ لأن إدراك الأطراف لدور هذه المنشآت قد يختلف عن الموقف السياسي المعلن للدولة المضيفة.
لكن استهداف الأراضي العربية ليس نتيجة حتمية؛ إذ يرتبط بحسابات طهران بشأن طبيعة المشاركة في الضربة، وكلفة توسيع الحرب، وإمكانية الحفاظ على قنوات التواصل مع العواصم العربية.
ويمتد الخطر إلى منشآت الطاقة والمواني والمطارات وشبكات الكهرباء والاتصالات ومحطات تحلية المياه، وأي تعطيل لهذه المرافق قد يحول التصعيد العسكري إلى أزمة معيشية واقتصادية، تتجاوز آثارها مواقع الاشتباك.
أما الحديث عن “عدم جاهزية الدفاعات الجوية”، فيحتاج إلى ضبط، فلا تتوافر معلومات علنية كافية تسمح بحكم شامل على جاهزية دفاعات المنطقة أو مخزون صواريخ الاعتراض، والأدق أن أي منظومة دفاعية تواجه حدودًا تتعلق بكثافة الهجوم وتنوع وسائطه واستمراره، كما أن إرسال تعزيزات دفاعية لا يثبت انهيار الدفاعات القائمة، ولا يضمن اعتراض جميع التهديدات، وقد تناولت تقارير حديثة تحركات لتعزيز الدفاعات الأمريكية والإسرائيلية، مع بقاء تفاصيل مهمة دون تأكيد رسمي علني.
الطاقة والملاحة: انتقال الحرب إلى الاقتصاد العالمي:
يمثل مضيق هرمز إحدى أهم قنوات انتقال آثار الحرب إلى العالم، وللدلالة على وزنه، تشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن تدفقات النفط عبره بلغت نحو ٢٠ مليون برميل يوميًا في السابق، بما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية آنذاك، وهذه أرقام مرجعية سابقة، وليست تقديرًا لحركة الملاحة وقت
أي تصعيد جديد.
ولا يتطلب الإضرار بالأسواق إغلاق المضيق بالكامل؛ فارتفاع مخاطر المرور وتكاليف التأمين، أو تعرض بعض السفن والمنشآت للهجمات، قد يؤدي إلى اضطراب الإمدادات وزيادة الأسعار.
وبالنسبة للدول العربية المصدرة للطاقة، فإن ارتفاع الأسعار لا يضمن مكاسب صافية إذا صاحبه تعطل الإنتاج أو التصدير، أما الدول المستوردة، فتواجه ضغوطًا على فاتورة الوقود والنقل والإنتاج والموازنات العامة،
وقد تنتقل هذه الضغوط إلى أسعار الغذاء والخدمات.
وإذا تزامن اضطراب الخليج مع تصعيد في البحر الأحمر وباب المندب، فإن المخاطر تتضاعف، وتتأثر التجارة بين آسيا وأوروبا، وتزداد الضغوط على حركة الملاحة وإيرادات قناة السويس.
كيف تتوسع الحرب إقليميًا؟
قد تتسع الحرب بقرار مقصود لرفع كلفة الهجوم، أو بفعل سلسلة ردود متبادلة تتجاوز تقديرات أصحابها،
فقد يؤدي هجوم على قاعدة أمريكية وسقوط خسائر بشرية كبيرة إلى رد أوسع، ثم إلى استهداف منشآت إضافية، فتنتقل المواجهة من تبادل محدود إلى حملة إقليمية ممتدة.
وتظل ساحات العراق ولبنان واليمن معرضة لانتقال التصعيد، لكن لا يصح افتراض أن القوى المرتبطة بإيران تتحرك جميعها بقدرات متساوية أو بقرار موحد، فلكل ساحة توازناتها الداخلية، ولكل طرف حساباته وقدرته
على تحمل الخسائر.
ويبرز خطر آخر في سوء التقدير: سقوط صاروخ داخل دولة مجاورة، أو إصابة سفينة تابعة لطرف ثالث،
أو الخلط بين إجراء دفاعي ومشاركة هجومية، عندها قد تدخل أطراف جديدة إلى المواجهة تحت ضغط حماية قواتها أو استعادة الردع، رغم أنها لم تكن ترغب في الحرب ابتداءً.
المنشآت النووية: مخاطر تتجاوز الحسابات العسكرية:
إذا شملت الضربات منشآت نووية، فإن تقييم التداعيات يتطلب التمييز بين مرافق التخصيب والتخزين والمفاعلات العاملة؛ فالمخاطر الإشعاعية والكيميائية تختلف باختلاف المنشأة والمواد الموجودة فيها وطبيعة الضرر.
ولا يصح افتراض أن كل استهداف سيؤدي إلى كارثة عابرة للحدود، كما لا يجوز استبعاد الخطر مسبقًا،
وقد حذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن التصعيد العسكري يمكن أن يرفع احتمال حدوث انبعاثات إشعاعية ذات عواقب خطيرة على السكان والبيئة.
ويصبح الخطر أشد إذا انتقلت المواجهة إلى استهداف متبادل لمنشآت نووية مدنية أو بنية أساسية حيوية، بما في ذلك داخل الخليج. عندها تتداخل متطلبات الدفاع مع الرصد البيئي وحماية السكان واستمرار الخدمات الأساسية.
هل يمكن أن تتحول إلى حرب عالمية؟
ينبغي التمييز بين حرب ذات تداعيات عالمية وحرب تشارك فيها القوى الكبرى مباشرة، فاضطراب الطاقة والتجارة والأسواق قد يمنح الصراع أثرًا عالميًا سريعًا، بينما تبقى المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وروسيا أو الصين سيناريو أعلى كلفة وأقل ترجيحًا.
فمصالح موسكو وبكين مع طهران لا تعني تلقائيًا الاستعداد لخوض حرب شاملة دفاعًا عنها، وقد يتخذ الدعم صورًا سياسية أو اقتصادية أو تقنية، بحسب حسابات كل دولة، دون الوصول إلى الاشتباك المباشر.
لكن احتمالات الاتساع ترتفع إذا استُهدفت قوات أو سفن تابعة لقوة كبرى، أو وقع حادث بحري جسيم، أو تزامن الصراع مع أزمة دولية أخرى، لذلك، فإن السيناريو الأرجح نسبيًا هو اتساع الأثر العالمي قبل اتساع المشاركة العسكرية العالمية؛ وهو تقدير تحليلي مشروط، لا تنبؤ محسوم.
المصلحة العربية ومتطلبات الاحتواء:
تتمثل المصلحة العربية في منع استخدام أراضي الدول العربية لاستهداف بعضها، وحماية الملاحة والمنشآت المدنية، والإبقاء على قنوات اتصال تسمح باحتواء الحوادث قبل تحولها إلى جولات انتقامية.
وبالنسبة لمصر، تتصل التداعيات بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، وأسعار الطاقة والغذاء، وسلامة المصريين في دول المنطقة، واحتمالات تراجع السياحة والاستثمار، ومن ثم، تتكامل الدبلوماسية النشطة مع الاستعداد الاقتصادي وخطط الطوارئ وحماية المواطنين.
فى ضوء ما سبق، فإن التقدير بأن ضربة قوية قد تقلص قدرات إيران، لكنها لا تضمن إنهاء التهديد أو إخضاع قرارها السياسي، وكلما اتسع تعريف النصر ليشمل تدمير قدرات الدولة أو تغيير نظامها، ارتفعت احتمالات الحرب الطويلة.
فالتحدي الحقيقي ليس القدرة على بدء الضربة، وإنما القدرة على التحكم فيما يليها، وأمن المنطقة العربية يقتضي أن تكون دولها طرفًا مؤثرًا في صياغة ترتيبات التهدئة، وحماية مصالحها من أن تتحول إلى تكلفة جانبية في صراع الآخرين.