رؤي ومقالات

القمة الروسية – الأفريقية ولقاء السيسي بالقادة الأفارقة .. قراءة في دوائر الأمن والمصالح المصرية

بقلم: اللواء الدكتور محمد الدسوقي خبير الدراسات الاستراتيجية والعلوم السياسية

تكتسب القمة الروسية – الأفريقية الثالثة، المنعقدة في موسكو، أهميتها من تداخل مسارين: سعي أفريقيا إلى توسيع شراكاتها وزيادة قدرتها على التأثير في النظام الدولي، وحرص روسيا على تعزيز حضورها في قارة تمتلك موارد وأسواقًا ومواقع استراتيجية مؤثرة، وفي هذا السياق، تبرز المشاركة المصرية باعتبارها فرصة لربط التعاون الدولي بأولويات الاستقرار والتنمية داخل القارة.
وقد شهدت القمة، في ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦، اعتماد وثائق للتعاون، شملت الإعلان الختامي، وإعلانًا بشأن الاستخدام المدني لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، وخطة عمل الشراكة الروسية – الأفريقية للفترة ٢٠٢٧ – ٢٠٢٩، وتعكس هذه المخرجات اتساع أجندة الشراكة، بما يفتح المجال أمام تقييمها وفق قدرتها على إنتاج مشروعات ومنافع قابلة للقياس.
وفي موازاة أعمال القمة، أعلنت الرئاسة المصرية لقاءً جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بكل من الرئيس الكيني “ويليام روتو”، ورئيس مجلس السيادة السوداني “عبد الفتاح البرهان”، والجنرال “أسيمي جويتا” رئيس المجلس العسكري الانتقالي في مالي. ومن ثم فإن قراءة دلالاته تظل تحليلًا للسياق الاستراتيجي، دون افتراض اتفاقات
أو تفاصيل مباحثات لم تُعلن.
مصر وأفريقيا .. ترابط الأمن والتنمية:
يمكن فهم الحضور المصري في القمة من خلال رؤية تعتبر استقرار أفريقيا وتنميتها امتدادًا مباشرًا للمصالح الوطنية المصرية، فالتوترات في حوض النيل والقرن الأفريقي والسودان والساحل ترتبط بمصادر المياه،
وأمن الحدود، وحركة التجارة، والقدرة على مواجهة التهديدات العابرة للدول.
وقد عرض الرئيس السيسي في كلمته خمسة مجالات للتحرك التنموي: الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية، والتجارة الأفريقية، والطاقة والربط الكهربائي، والأمن المائي والغذائي والزراعة، والاتصالات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتتيح هذه الأولويات إطارًا لربط الشراكات الخارجية باحتياجات القارة الفعلية.
والدلالة الأوسع هنا أن الأمن يحتاج إلى قاعدة اقتصادية واجتماعية تحميه؛ إذ يصعب تثبيت الاستقرار في بيئة تتراجع فيها الخدمات وفرص العمل وقدرة المؤسسات على تلبية احتياجات السكان، لذا، تصبح مشروعات النقل والطاقة والزراعة وبناء القدرات جزءًا من معالجة جذور الاضطراب.
كينيا .. أهمية التواصل في شرق أفريقيا وحوض النيل:
يمنح حضور الرئيس الكيني اللقاء أهمية مرتبطة بشرق أفريقيا وحوض النيل، ومن منظور المصالح المصرية، يمثل التواصل مع نيروبي فرصة لتعميق الفهم المتبادل بشأن العلاقة بين التنمية والأمن المائي، وتوسيع مساحات التعاون الاقتصادي والسياسي.
وتقتضي إدارة المصالح المتداخلة في الحوض حوارًا مستمرًا يوضح أن التنمية المشتركة تحتاج إلى قواعد تعاونية تحمي الحقوق وتحد من الأضرار، فالتقارب المصري – الكيني يمكن أن يساعد على بناء الثقة،
حتى مع وجود تباينات في بعض التقديرات أو المواقف.
كما يتيح هذا التواصل بحث فرص عملية في التجارة والاستثمار والتدريب والزراعة والخدمات اللوجستية، وكلما اتسعت المصالح المتبادلة، ازدادت قدرة العلاقات السياسية على التعامل مع الملفات الحساسة بصورة أكثر استقرارًا.
السودان .. أولوية الدولة ووحدة الأرض:
أما حضور “عبد الفتاح البرهان”، فيستدعي الأهمية الخاصة للسودان في حسابات الأمن القومي المصري، فاستقرار الدولة السودانية يرتبط بأمن الحدود الجنوبية، وأوضاع السكان، وحوض النيل، والبحر الأحمر، وبمنع اتساع بيئة التهديدات العابرة للحدود.
وفي التقدير الاستراتيجي، تتمثل المصلحة المصرية في سودان موحد، قادر على حماية أراضيه واستعادة مؤسساته وخدماته، وفي مسار سياسي سوداني يوقف استنزاف المجتمع ويحافظ على الدولة، ويقتضي ذلك الجمع بين معالجة الاحتياجات الإنسانية والعمل على تهيئة شروط تسوية قابلة للاستمرار.
ويتيح وجود قيادات أفريقية مختلفة في مناسبة واحدة فرصة للتواصل وتقريب التقديرات بشأن الأزمات،
لكن تحويل هذه الفرصة إلى نتيجة يتطلب متابعة دبلوماسية، وتحديد نقاط الاتفاق، وتجنب تعدد المسارات بصورة تضعف فاعليتها.
مالي .. اتصال الساحل بالأمن الإقليمي الأوسع:
يحمل حضور “أسيمي جويتا” دلالة تتعلق بامتداد الاهتمام إلى منطقة الساحل، فمن منظور أمني، يمكن أن تنتقل آثار هشاشة الدول عبر شبكات التهريب والجريمة المنظمة وانتشار السلاح، وصولًا إلى أقاليم أخرى،
ولهذا تستحق تطورات الساحل المتابعة ضمن تقدير شامل للأمن الأفريقي.
ويفتح التواصل مع مالي مجالًا لمناقشة احتياجات بناء المؤسسات وتأهيل الكوادر ودعم التنمية، ففاعلية مواجهة التنظيمات المسلحة ترتبط أيضًا بقدرة الدولة على تقديم الخدمات، وتعزيز الثقة مع المواطنين، وإيجاد فرص اقتصادية تقلص قابلية المجتمعات للاستقطاب.
ومن هنا، يمكن لمصر أن توظف أدواتها التعليمية والدينية والطبية والفنية في تعاون يستجيب لاحتياجات الشركاء، ويعزز قدرتهم على إدارة شؤونهم، مع احترام سيادتهم وخصوصية أوضاعهم الداخلية.
الشراكة مع روسيا واستقلال القرار الأفريقي:
تتيح القمة مجالًا لتوسيع الخيارات أمام الدول الأفريقية، لكن قيمة أي شراكة تُقاس بمضمونها: نقل المعرفة، وتأهيل البشر، وتطوير البنية الأساسية، وزيادة الإنتاج المحلي، وتحسين شروط التجارة والاستثمار.
وبالنسبة لمصر، يمكن قراءة المشاركة باعتبارها جزءًا من تنويع العلاقات وتعظيم القدرة على الحركة،
ويظل معيار النجاح هو مقدار ما تضيفه هذه العلاقات إلى المصالح الوطنية والأفريقية، مع الحفاظ على استقلال القرار وتجنب انتقال صراعات القوى الكبرى إلى داخل القارة.
وتزداد أهمية هذا المعيار في الملفات الأمنية الحساسة، وقد تضمنت كلمة الرئيس السيسي التحذير من التوترات في القرن الأفريقي، ورفض انتهاك سيادة دوله أو استغلال هشاشة الأوضاع لعسكرة البحر الأحمر وفرض وجود عسكري لدول غير مشاطئة على سواحله.
فى الختام: تسمح قراءة اللقاء الذي جمع السيسي وروتو والبرهان وجويتا برؤية دوائر متصلة من المصالح: حوض النيل وشرق أفريقيا، والسودان والبحر الأحمر، ثم الساحل وامتداداته الأمنية، ولا تعني هذه القراءة قيام تحالف جديد؛ لكنها توضح أهمية الحفاظ على قنوات اتصال مصرية نشطة مع قيادات تمثل بيئات استراتيجية مختلفة.
ويبقى الاختبار الحقيقي فيما يلي القمة: هل تتحول الاتصالات إلى تعاون تنموي وأمني ومؤسسي واضح؟
وهل تنجح الشراكات الدولية في تقوية قدرة الدول الأفريقية على إدارة أزماتها وحماية مواردها؟
إن ما تحتاجه القارة هو شراكات تدعم مؤسساتها وتوسع خيارات شعوبها، وتستطيع مصر أن تعزز دورها
كلما جمعت بين وضوح أولوياتها الأمنية وتقديم تعاون عملي يحقق مصالح متبادلة؛ فاستقرار السودان، والتفاهم في حوض النيل، وأمن البحر الأحمر، وتعافي دول الساحل، حلقات متصلة في بيئة أفريقية يتأثر كل جزء منها بما يجري في الأجزاء الأخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى