كتاب وشعراء

المدوّنات والأدب الرقمي: من الهامش إلى العالم.. بقلم الكاتب والناقد: ماجد القيسي

شهدت الكتابة خلال العقود الأخيرة تحولاً عميقاً في وسائل إنتاج النصوص ونشرها وتلقيها. فبعد أن كانت الخواطر واليوميات والأفكار تُدوّن في دفاتر شخصية أو تنتظر فرصة للنشر في الصحف والمجلات، ظهرت المدونات الإلكترونية في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، لتوفُّر فضاء يستطيع فيه الكاتب نشر تجربته والتواصل مباشرة مع القراء. ولم يكن هذا التحوّل مجرَّد انتقال من الورق إلى الشاشة، بل غيّر في علاقة الكاتب بالمؤسسة الثقافيَّة، وفي طبيعة المشاركة الأدبيَّة وحدود الوصول إلى الجمهور.
أسهمت المدوّنات في تخفيف احتكار مؤسسات النشر التقليدية، ووفَّرت فرصاً للكتَّاب الشباب والنساء وأصحاب التجارب التي لم تجد تمثيلاً كافياً في المنابر المعروفة. وفي بعض البيئات العربية، أتاحت المدوّنات الشخصيَّة مناقشة قضايا اجتماعية وثقافية كانت محكومة بحساسيَّات سياسيَّة أو اجتماعيَّة، وإن ظلَّت الرقابة الرسمية والضغوط المجتمعية والرقابة الذاتية حاضرة بدرجات متفاوتة. وقد اختلفت تجارب التدوين في مصر والمغرب ودول الخليج والعراق باختلاف السياقات الثقافية والاجتماعية، لكنَّها أسهمت في توسيع مساحة التعبير الفردي ونشر اليوميَّات والخواطر والقصص والقراءات النقدية. كما أتاح التفاعل عبر التعليقات توليد نقاشات حول النصوص، وإن لم يكن هذا التفاعل دائماً ضماناً للتطوير الفني أو النقد الجاد.
ولم يؤدِّ اتساع النشر الرقمي بالضرورة إلى ارتفاع مستوى الكتابة. فقد ساعدت سرعة التداول والخوارزميَّات على تفضيل المحتوى القصير والسريع أحياناً، الأمر الذي قد يضعف حضور النصوص الطويلة ويؤثِّر في عادات القراءة. كما أنَّ وفرة المنشورات تُصعّب التمييز بين التجربة الإبداعية والكتابة العابرة، وتفرض على النقد تطوير أدوات تتعامل مع اللغة والبناء والتفاعل وتكامل الوسائط. وتواجه الذاكرة الأدبية الرقمية خطراً إضافياً يتمثَّل في اختفاء المدوّنات عند إغلاق المنصَّات أو تعطُّل الروابط. ولا تكفي عملية حفظ النصوص وحدها، بل تتطلب الأرشفة توثيق تاريخ النشر والنسخ الأصلية والوسائط والبرمجيَّات اللازمة لتشغيل الأعمال التفاعلية، مع مراعاة حقوق المؤلف وإتاحة الوصول إليها.
وأضاف الذكاء الاصطناعي تحدِّياً جديداً إلى هذا المشهد، إذ بات قادراً على توليد نصوص ومقترحات أدبية، لكنَّه يثير أسئلة حول حدود مساهمة الإنسان والآلة، وأصالة العمل، وحقوق الملكية الفكرية. ولا يكمن معيار الإبداع في إنتاج الكلمات وحده، بل في الرؤية والتجربة والاختيار والقدرة على بناء معنى يتجاوز المحاكاة. لقد فتحت المدوّنات والأدوات الرقمية مسارات جديدة للأدب، لكنها لم تلغِ تفاوت فرص الوصول ولا الحاجة إلى النقد والمؤسسات الحافظة للذاكرة. ومن ثم فإنَّ الانتقال من الهامش إلى العالم ليس نتيجة مضمونة للتقنية، بل فرصة تتوقَّف على جودة النص، والترجمة، وفاعلية التوزيع، واستمرار الأرشفة. فالعالمية لا تتحقَّق بمجرد وصول النص إلى شاشة بعيدة، وإنما حين يجد في ثقافات أخرى من يقرأه ويتفاعل مع تجربته الإنسانية.

بقلم: ماجد القيسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى