
كتب:هاني الكنيسي
لم يكد يمضي يومان على صدمة الانتخابات النصفية التي أطاحت موجتها الزرقاء بالأغلبية الجمهورية في مجلسي النواب والشيوخ ومنحت الديمقراطيين هيمنة كاملة على الكونغرس، حتى بدأت رياح التسريبات تعصف بالسفينة الحمراء، كاشفةً هوة الخلافات داخل طاقمها اليميني، ومهددةً مواقع أقرب المقربين إلى ربّانها البرتقالي. وبينما يحاول الجمهوريون استيعاب خسارة وصفها السيناتور الصهيوني ‘تيد كروز’ بأنها “تسونامي رفض بحجم فضيحة ووترغيت”، تحولت الأنظار إلى ‘ستيفن ميلر’ مستشار البيت الأبيض ونائب رئيس موظفيه لشؤون السياسات، والمهندس الأبرز لنهج الترحيل الجماعي الذي تحول من شعار انتخابي في حملة ترمب إلى عبء سياسي على الإدارة.
التسريبات التي نشرتها وسائل إعلام أمريكية، بينها ‘وول ستريت جورنال’ و’نيويورك تايمز’، لا تنبئ بمجرد تباينات في أسلوب إدارة ملف الهجرة؛ بل تكشف ملامح “صراع” بشأن المسؤولية عن سياسة باتت تُحمّل البيت الأبيض كلفة متزايدة.
فوفق التقارير، اشتكت ‘ميلانيا ترمب’ لزوجها من ترحيل أشخاص تعرفهم، فيما لم تكن رئيسة موظفي البيت الأبيض ‘سوسي وايلز’ راضية عن تشدد ‘ميلر’، وحاولت على مدى أشهر إقناع الرئيس بتعديل النهج. وتقول الروايات المنشورة إن ترمب نفسه أبدى تحفظاً على بعض خطط الترحيل، معتبراً أنها تجاوزت الحد.
التسريبات تكتسب دلالة سياسية خاصة من توقيتها بعد الهزيمة. فحين تتهاوى شعبية الحزب الحاكم، تُثار الأسئلة حول “الأسباب” وتتحرك الأصابع نحو من يتحمل مسؤولية السياسات التي ساهمت في نفور الناخبين، ومن يمكن التضحية به لتخفيف كلفة الخسارة على الرئيس.
‘ميلر’ ليس مستشاراً عادياً في دائرة “ماغا” MAGA المحيطة بترمب ويوصف بأنه أحد أبرز مهندسي مشروعه السياسي، وصاحب الدور المحوري في صياغة سياسات الهجرة الأكثر تشدداً في التاريخ الأمريكي؛ بدايةً من توسيع الاعتقالات ومروراً بتعجيل إجراءات الترحيل وصولاً إلى مظاهر “العنف والتمييز” في التعامل مع المهاجرين والضغط على المؤسسات الفيدرالية.
لذلك فإن أي محاولة لإبعاده، إن حدثت، لن تكون مجرد تغيير إداري أو تجميلي؛ بل ستطرح سؤالاً أكبر عن مستقبل سياسة الهجرة التي صاغها مهندس أحد أبرز مشاريع الخطاب اليميني التي أعادت ترمب إلى البيت الأبيض.
كان مقتل الممرض الأميركي ‘أليكس بريتي’ في يناير الماضي، برصاص شرطة الهجرة الفيدرالية في مينيابوليس، من أبرز اللحظات المحرجة لإدارة ترمب (سبقها قتل مواطنة أمريكية وأم لثلاثة أطفال في عملية مماثلة بالمدينة ذاتها). ووفقًا للتسريبات، فقد حث ‘ميلر’ وزيرة الأمن الداخلي ‘كريستي نوم’ الضحية بأنه “إرهابي محلي” domestic terrorist. لكن انتشار مقاطع مصورة للحادثة، وتصاعد الاعتراضات، دفعا البيت الأبيض إلى التعامل بحذر أكبر مع الرواية الرسمية، ودفعا ترمب شخصيا للنأي بنفسه عن تصريحات حليفيه، فكلّف مسؤول ملف الهجرة ‘توم هومان’ بالتوجه إلى مينيسوتا لاحتواء الأزمة.
وتقول تقارير منسوبة إلى تقييمات داخلية في البيت الأبيض إن حادثة مينيسوتا ساهمت في تراجع الثقة بملف الهجرة لدى قطاعات من الناخبين، وأعادت فتح النقاش داخل الحزب الجمهوري بشأن الفرق بين تنفيذ وعد الترحيل وبين الأساليب التي قد تجعل هذا الوعد عبئاً انتخابياً.
وتكشف التسريبات التي نقلتها ‘نيويورك تايمز’ أن رئيسة موظفي البيت الأبيض ‘سوسي وايلز’ لم تكن مرتاحة لأسلوب ‘ميلر’ المتشدد، وأنها حاولت إقناع ترمب مراراً باتخاذ نهج أكثر اعتدالاً في ملف الهجرة -على الأقل إعلامياً- قبل أن يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع.
وبعد الهزيمة المدوية أمام “الموجة الزرقاء”، سيجد ترمب نفسه -وفقاً لتحليلات المعلقين- مضطراً للتعامل مع مكامن العوامل الأساسية التي أفقدت حزبه أصوات الناخبين.
وإذا كان البرتقالي يقاوم -حتى الآن- الضغوط المتزايدة عليه للتضحية بوزير حربه الموشوم ‘بيت هيغسيث’ كونه المسؤول -نظرياً- عن إخفاقات الحرب على إيران (أحد أهم أسباب الحنق الشعبي على الإدارة الجمهورية)، فإن التضحية بشخص مثل ‘ستيفن ميلر’ قد يكون مخرجاً سياسياً باعتباره الوجه الأكثر وضوحاً للنهج المتشدد في ملف حساس، وقد يصبح من السهل على بعض الجمهوريين تقديمه باعتباره المسؤول عن “تجاوزات” السياسة، دون الحاجة إلى التشكيك في جدوى المشروع السياسي للرئيس نفسه.
ووفقاً لمجلة ‘ذا نيو ريبابليك’، فإن توقيت التسريبات، بعد الهزيمة، يوحي بأن هناك من يريد -داخل البيت الأبيض- تحميل ‘ميلر’ جزءاً من المسؤولية، في سياق “مراجعة” الشخصيات التي ارتبطت بالسياسات الأكثر تنفيراً للناخبين.
ويبقى الاختبار الحقيقي لمدى تأثير التسريبات الأخيرة رهناً بموقف ترمب من ‘ميلر’، وبقرارات ما بعد “التسونامي الأزرق” تجاه الرفاق الذين أغرقوا السفينة الحمراء ذات الدفة البرتقالية.