قراءة نقدية لقصيدة الشاعرة لميس الرّحبي/ بقلم : أ. فراس أحمد النايف(سرمد الناصر

إن كان الشِّعرُ آسراً للمشاعر وقتئذٍ ستكون دراستُه المشاعرَ كلَّها..

دراسةٌ أدبيَّةٌ لإحدى الجماليات الشِّعريَّة للشَّاعرة السُّوريَّة العظيمة ( لميس الرّحبي )

 

وخلطت بين الورد روحي في المسا حتى رآنـــــي كيف لمـــتُ النرجسا

يا ويل هذي الروحِ كيف تلومهــــــا إنْ بات ليلي فــــي الغرام وعسعسا

إنّـــــي منحتُ الليلَ بعضَ قصائدي أفلا تلامسُ فــــي كفوفـيَ سندســــا؟

ألبستُ روحيَ من حروفك عطرَها لكنّـــها ذبلتْ وقلـــــبـــــيَ أفلســـــــا

عينـــــيْ التــــي ما قد رأتْه بلمحةٍ برّاقــة فتّــــــاكة فيهــــا الأســـــــى

مــــازال طبٌّ في يديكَ غوايتــــي أين الدواءُ وقــد غـــــدوت المؤنســا؟

أنسيتَ مــــــا قالت شفاهُك لحظةً؟ حتى رأيتُك فــي حروفـــــيَ مُهمِسا

متلهّفاً كيف الوصول، ومهجتـــــي تسعى لقلبكَ في الصّباح وفي المسا

كسّرتُ فــــــي كلِّ المرايا صورةً عاندتُ في شوقـــــي إليكَ الأنفســــا

ولثمتُ في جمر النوى مقطــوعةً تسعــــى إليك فلا تُثيــــــر المجلســـا

لا فُلَّ ينمو فــــي محاجر أحرفـي أنّــــى التفـــــتُّ أراك فُلّاً قــد كَســـا

صدريْ وكفّيَ ثمّ تلك مفاتنـــــــي باتت لديك فهل يسامحنــــــي الأسى

نقف في هذه الدراسة الموجزة عند رائعة من روائع الشعر الحديث ، وقبل الخوض فيها أقف عند قولي رائعة الشعر الحديث ، وسبب كونها رائعةً أنّ الشعر قد أُستهلك في جميع مواضيعه ؛ منذ البدايات الأولى إلى الآن ، ولكنّ الشاعر المتمكّن يستطيع خلق الشعر في أيّ زمن غير آبه بما قيل قبله ، وهذا لا يعني إنكاره للأسبقين بل إنّه العرفان بالجميل الموروث من أجل إتمام ما بدؤوه، وهذه القصيدة من الأدب الأنثوي الرقيق ، لذلك سنجدها فيضاً من العاطفة المتدفّقة التي لا ينضب ماؤها .

تبدأ هذه القصيدة بخلط جميل نادر بين الروح والورد ، وهذا مستحسنٌ جميلٌ جديدٌ على إبداعات الرومانسيين ، فعادة ما تكون الطبيعة ملجأً للرومانسيين ، لكنّ شاعرتنا هنا

خلطت روحها مع الطبيعة لتشكّل باقة مليئة بالعطر الذي ينساب مع الروح ، ربّما أرادت للعطر أن يتحرّر من وروده ، وقد بثّت فيه الحياة ، والأعجب من ذلك أنّها اختارتِ الزمن الذي تتحد فيه مع الطبيعة ، وهو المساء ، وهذا اختيارٌ جميل يتناسب مع الحالة الغرامية التي تفيض بالشوق ، ومع حالة الورد الذي يكون أكثر عطاء للعطر في هذا الوقت ، وقديما اختار الأعشى الشاعر الجاهليّ المعروف في معلقته هذا الوقت في وصف الروضة ؛ حيث يقول :

ما روضةٌ من رياض الحَزْن معشبةٌ خضراء جاد عليها مسبلٌ هطلُ

يومـــاً بأطيب منها نشــــــر رائحــة ولا بأحسنَ منها إذ دنــا الأُصُلُ

كما أنّها تعجب من اللوم لروحها إذا جنى الليل ، وبانت نجومه ، عندها تبعث برسالة إلى المحبوب ، مفادها أنّ العشّاق في الليل لا ينبغي لأحد أن يلومهم ، وهذا تنبيه جميلٌ ؛ لأنّ اللائمين كثر ، فكيف إذا كان اللائمُ هو الحبيب. وقد منحت الليل بعض القصائد قصائدِ الشوق والحبّ ، وتستغرب لمَ لا يلامس الحبيب أثر الحياة الخضراء في كفوفها التي اختلطت مع روحها بالورود، وتبيّن الشاعرة سبب اتّحادها بالورود ، لأنّها لبست عطر حبيبها ، لكنّها وجدت نفسها كمَن أفلست من هذا العطر ، وهذا سببٌ من أسباب ولادة الرومانسية في الشعر عموماً , وكلّ اللوم فيما جرى لها كان بسبب عينها التي رأت الحبيب ، فكانت هذه الرؤية قاتلة ، وهذا يعطي انطباعاً شديداً عن سحر ما فعله الحبُّ بها ، لكنّا لم تفقد الأمل منه فهو الطبيب الذي سيشفي لها كلَّ علّة بسبب الحبّ ، وهذا كلام موروثٌ قد لبس ثوباً أنثويّاً جميلاً وجديداً، لأنّ المجنون قال في ليلى :

يقولون ليلى في العراق مريضةٌ فيا ليتني كنتُ الطبيبَ المداويا

ثمّ تنتقل الشاعرة ، بعد كلّ هذا ، إلى العتاب الرقيق الذي يسمح لها بالبوح عمّا يؤرقها ، فتعاتب المحبوبَ بما قاله سابقاً ، ولم تكشف لنا ما الذي قاله ، لأنّها لا تريد البوح بأسرار العاشق ، ولعلّ هذا راجع لجعل المتلقّي يعيش في سحر الكلمات ، ليكتشفها بحسب ما فيه من عشق ، فصار الحبيب بعد ما قاله للمحبوبة الهامسَ الذي يبثّ الحبّ والفرح ، وصار يتلهّف الوصولَ إليها ، ولكنّه لا يعلم أنّ روحها تسعى إليه في كلّ وقت .

والشاعرة بدأت تكسّر كلّ الصور على عادة العشّاق إذا ما غضبوا ، فكلّ صورة عدا المحبوب ستُكسَر، ولم يكن كسر المرايا غضباً على المرآة ، بل كان على الإيحاء الذي تعكسه ، وبذلك خالفت شاعرتُنا الشاعرَ نزار قبّاني الذي كسّر المرايا غضباً ، فهو يكسّر أيَّ شيء ؛ لإفراغ شحنة الرجل المتأججة بالغضب ، وهنا يكمن الفرق بين الشعر الأنثويّ والذكوريّ ، فنزار قبّاني يقول :

كسّر أواني الزهر والمرايا هدّد بحبّ امرأة سوايا

ومع أنّ الكلام على لسان المرأة إلا أنّ الجانب الذكوريّ واضح في القصيدة ، على خلاف شاعرتنا في هذه القصيدة ، ونجدها تعاند كلّ الناس في حبّها ، بل إنّا تعيش نار الحبّ الذي جعلها تلثم الجمر على ما فيه من أذىً بقصيدتها التي لم ولن تثير أيَّ شيء في المجلس ، لأنها بوح وهمس في أذن العاشق ، وله فقط .

ثمّ تختم قصيدتها باعترافها أنّ الورود التي تختلط بروحها هي ورود الحبيب الذي لفّها من كلّ جانب بعطره ، فكساها بالعطر ، ولا يمكنها الهرب إلى غيره ؛ لذلك نراها تطلب السماح من الأسى ، لتنتقل إلى الفرح بلقيا الحبيب .

الزمان والمكان

هذه المعاني التي شاهدنا في القصيد تشكّل حالة من الشوق عند كلّ متلقٍّ ، لأنّها ارتكزت على أسس الرومانسية العربيّة ، واستحضرت معجم الطبيعة زماناً ومكاناً ، فكان الليل مساحةً زمنيّة ً استطاعت فيها أن تبثّ هذا الشوق ، فلليل خصوصيّةٌ عند العشّاق ، وقديماً قال المتنبي :

وزائرتي كأنّ بها حياءً فليس تزور إلّا في الظلام

واعتراف المتنبي بخصوصية الليل جعل من اختيار شاعرتنا في هذه القصيدة مساحة موفّقة لتعابير الزمن ، أمّا المكان فكان الطبيعةَ بورودها وعطرها ، وقد استطاعت الملاءمة بين مساحتي الزمان والمكان ؛ لتخلق عالم الرومانسيين الذي يُشعرهم بالأمان.

الألفاظ والخيال :

أثناء تأملي لهذه القصيدة لاحظت الانتقاء المتناسب للألفاظ ؛ فقد اختارت الألفاظ الرقيقة التي واءمت الحالة الوجدانية التي تعيشها الشاعرة ، فالليل والشوق ، والعاشق ، كلّ ذلك يحتاج إلى الهمس الذي لا يسمعه إلا العاشقُ ، لذلك جاءت الحروف هامسة ، وقد لاحظت تناسب الرويّ مع ذلك ، ممّا جعلني أعيش مع أدب المهجر الذي عُرف بالأدب المهموس.

ثمّ أنّها استحضرت المصاحب اللغوي لبعض الألفاظ لتخلق حالةً من التقارب التي تريدها مع المحبوب :

(مهجتي = قلبي) ( الصباح = المساء) ( عيني = رأيته ) ( ليل = عسعسا ) ( طبّ = دواء)

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.