
توجِعني بيروتُ ،توجعني بجمالِ بَذْخِها في البنايات والفنادق والمطاعم والمسابح على شاطئِ المنارةِ وفي شارعِ الحمراءِ .توجعني بشمولِ الفقرِ وتَغشِيتهِ وأنا ابنُ القريةِ الجنوبيةِ النائية المقبول في امتحاناتِ الدخولِ في دارِ المعلمين في بيروت بمنحةٍ شهريةٍ قيمتها مائة ليرة لبنانية فقط لاغير .
كيف سأسير في هذه الشوارع الغريبةِ على قلبي وأنا ابن البراري وحقولِ التبغ والزيتون وذهبِ كرومِ العنب والتين وقلبِ أُسرتي المُعانق؟!
كيف سأنامُ وحيداً في بعض الأحيان في غرفةٍ بالِيةٍ كبيوتِ بلدتي القديمة، غرفةٍ خاويةٍ إلاَّ من سرير حديديٍّ وفرشةٍ هزيلة ،سريرٍ نقلتُهُ معي فوق سطحِ البوسطة التي أقلَّتني من عيترون إلى شارع الفقراءِ في منطقة صبرا في ضاحية المدينة، حزام الفقر ؟!
موحشةٌ كانت أيامي وأنا المراهق الذي لا يشغلُهُ إلاَّ قلبه العاشق الذي يموتُ في هذا الخواءِ العاطفيِّ ،قلب يُداسُ في أتونِ هذه المدينة القاسية كروابي “شوك الفار” في جبالِ بلدتي حيث لا يمكنُ العبورُ خلالَها إلاَّ والفخْذُ دامٍ من وَخْزِ إبَرِهِ الشَّوكيَّةِ !!
شوكُ الفار: نباتاتٌ شوكيةٌ حادَّةُ الإبَر تكثرُ في الجبال الوعرة.
تيسير حيدر – لبنان