
الفن يصبغ العالم بألوان الحبِّ والعذوبة والرِّقَّة، وبكلِّ رموز الجمال؛ بعيداً عن المأساوية اليائسة.. والفنان الفلسطيني يرسم بعصير قلبه وعلى أشعة الروح أجمل اللوحات، ثم يعرضها عبر نافذة الإنسان الملتزم بمبادئه وعروبته، المؤمن بأنَّ الجغرافيا الفلسطينية فكرة جمالية عليا سماوية غير قابلة للقسمة، لذلك لن ينهار الحلم الفلسطيني مادام هناك فنانون يدافعون عنه بمواقفهم وبريشتهم المتماهية مع الجذور حدِّ الإيمان الكامل بالنصر..
والتشكيلي “محمود محمد سلمان” واحد من أولئك الفنانين الذين يرسمون بريشتهم ذاكرة وطنهم بسمائه وأرضه ومقدَّساته وتراثه عبر درجات جمالية عالية وألوان أخَّاذة..! لذا أجرينا معه الحوار الآتي:
*ليتك تقدِّم للقرَّاء بطاقة تعريف خاصة بك؟
** أنا الفنان التشكيلي “محمود محمد سلمان” فنان تشكيلي فلسطيني من غزَّة. مارستُ الفن التشكيلي منذ سنوات طويلة إلى جانب عملي المهني في مجال الاتصالات والإدارة. وقد وجدتُ في الفن وسيلة للتعبير عن الإنسان الفلسطيني وقضاياه، وعن الذاكرة والهوية والصمود والأمل رغم الألم والمعاناة.
*هل درست الفن أكاديمياً؟
**لم أدرس الفن أكاديمياً بشكل تخصصي، لكنَّني طوَّرت تجربتي من خلال الممارسة المستمرة، والاطلاع على أعمال الفنانين، والمشاركة في الأنشطة الفنية والثقافية، ما ساعدني على بناء أسلوبي الخاص المرتبط بالإنسان الفلسطيني وقضاياه.
*كلُّ تشكيلي تستهويه مدرسة فنِّيَّة معيَّنة.. ماذا عنك؟
**تتنوَّع أعمالي الفنية ما بين الواقعية التعبيرية والواقعية الرمزية، حيث أميل إلى توظيف الرموز الوطنية والإنسانية داخل اللوحة لأمنحها أبعاداً تتجاوز المشهد الظاهر.
*بمن تأثَّرت تجربتك؟
**تأثَّرت بالتجربة الفنية الفلسطينية والعربية التي جعلت الفن أداة للحفاظ على الذاكرة الجماعية، كما استفدت من المدارس التعبيرية والرمزية العالمية التي تمنح الفنان مساحة أوسع للتعبير عن المشاعر والأفكار.
*ما أبرز الرموز الفلسطينية الثابتة في لوحاتك
**من أبرز الرموز المُتكرِّرة في أعمالي: الكوفية الفلسطينية رمزاً للهوية والصمود، والأم الفلسطينية عنواناً للعطاء والتضحية والثبات، كما تعكس ابتسامات الطفولة وآلامها معاً واقع الإنسان الفلسطيني بين الأمل والمعاناة. فيما تتجلَّى قبَّة الصخرة كرمزٍ للحنين إلى الوطن والارتباط العميق بالأرض والتاريخ والذاكرة. ومن خلال هذه الرموز أسعى إلى بناء لغة بصرية تنقل مشاعر الألم والأمل والانتماء، وتروي قصة شعبٍ متمسِّكٍ بهويته وحقِّه وحلمه بمستقبل أفضل.
*ماذا عن الألوان والتقنيات المستخدمة داخل اللوحة؟
**تتراوح ألوان اللوحات ما بين الألوان الترابية الدافئة المستمدة من البيئة الفلسطينية، وبين التباينات الحادة العاكسة للصراع بين الألم والأمل. كما أستخدم أحياناً تقنية الأبيض والأسود لإبراز قوة الفكرة والرمز، وإبقاء التركيز على الرسالة الإنسانية، وأميل للمزج بين الواقعية والتعبيرية الرمزية؛ فاللوحة لا تنقل المشهد كما هو فحسب، بل تسعى لإيصال المشاعر والمعاني الكامنة خلفه. لذلك كثيراً ما تتحوَّل الظلال أو العناصر البصرية إلى رموز تحمل دلالاتٍ وطنيةً وإنسانيةً عميقةً.
*هل تؤمن بأنَّ الفن التشكيلي رسالة إنسانية وثقافية؛ قبل أن يكون مجرَّد عمل جمالي؟
**أؤمن بأنَّ الفن ليس مجرد عمل جمالي، بل رسالة إنسانية وثقافية قادرة على التأثير في الوعي، وحفظ الذاكرة، ونقل الحقيقة. ولذلك أسعى من خلال لوحاتي إلى أن يكون الفن صوتاً للأمل والصمود، وجسراً للتواصل بين الشعوب والثقافات، ورسالة تؤكِّد أنَّ الشعب الفلسطيني مازال متمسِّكاً بحقه وأرضه ومستقبله.
*ما أكثر التجارب تأثيراً في مسيرتك الفنية؟
**من أكثر التجارب تأثيراً في مسيرتي الفنية ما تعرَّض له منزلي من تدمير كامل خلال الحرب، حيث فقدت جميع الأعمال الفنية التي وثَّقت سنواتٍ من التجربة والإبداع والذاكرة. لم يكن فقدان تلك اللوحات خسارة مادية فحسب، بل كان فقداناً لجزء من حياتي وتاريخي، إذ كانت تحمل قصصاً ومشاعر وتجارب إنسانية ووطنية جسَّدتها بالألوان والخطوط على مدى سنوات.
*ما أهمية الفن في مواجهة حالات المحو التي يتبعها الاحتلال؟
**استطاع الاحتلال أن يهدم المكان ويطمر الأعمال الفنية تحت الركام، لكنه لم يستطع أن يهدم الفكرة أو يمحو الذاكرة أو يطفئ شغف الإبداع؛ بل زادني ذلك إصراراً على مواصلة رسالتي الفنية، وتوثيق الحكاية الفلسطينية من جديد، إيماناً بأنَّ الفنَّ يبقى شاهداً على الحقيقة، وأنَّ الريشة قادرة على مقاومة النسيان وحفظ الذاكرة للأجيال القادمة.