
ــــــــ قبض الاسكندر الكبير علي قرصان بحري وسأله:” كيف تجرؤ على ازعاج البحر؟”
أجاب القرصان: ” لأنني أفعل ذلك بسفينة صغيرة، أُدعى لصاً، وأنت الذي يفعل ذلك بإسطول تُدعى إمبراطوراً”.
إنقاذ النظام العراقي من مأزقه البنيوي مهمة مستحيلة في ظل تشابكات الوضع الحالي لكن يقتضي الانصاف انقاذ السيد علي الزيدي من مهمة وجد نفسه مضطرا لقبولها هو الملياردير المنزوي المعتاد على العمل الصامت الذي يتحاشى بحكم رأس المال الدخول في صراعات مع قوى عنيفة ومسلحة تتداخل فيها عناصر مختلفة بين المال والعقائد والاتباع والحلفاء والتقاليد والمصالح تداخل انياب الكلب حسب وصف ماو تسي تونغ لمصالح الامبريالية.
لقد وقع العراق بين قراصنة محليين وبين أباطرة من الخارج والحلول الحالية حلول الامبراطور وقد يأتي يوم نحلم بالعودة الى زمن القراصنة اللصوص. الحلول الامريكية في العراق لمحاربة الفساد المالي هي العقاب كما في الحرب هو السحق والقوة في مجتمع تحكمه تقاليد وقوى واعراف مختلفة.
وزارة الخزانة الامريكية تقوم بالدور نفسه لما تقوم به وزارة الدفاع لكنها لا تعرف تشابكات الواقع العراقي المحلي وعناصره التي تستعصي حتى على بعض العراقيين.
مجتمع تسيطر عليه العلاقات التقليدية والعشائرية والدينية لا تنظر قواه السياسية للفساد على انه جريمة بل ” حصة” و” غنيمة” ونظام محاصصة، والعقاب الخارجي يفسد لعبة السياسة لذلك تم اختيار عدنان الجميلي كحلقة ضعيفة معزولة تقريباً بلا نفوذ واسع لتقديمه كبش فداء دون الوقوع في فوضى خارج السيطرة مع استجوابات متدرجة، مع حملة تغطية اعلامية بالمدافع الثقيلة والانسان العراقي الساخط يحلم ان يكون الوهم حقيقيا وان الغد أفضل، حملة تستهدف لصوص الحافات دون الاقتراب من الحيتان الكبيرة.
نظام العقوبات كالسجن والمصادرة وغيرها يقتضي دولة مؤسسات تمتلك ادوات تنفيذية وتشريعية لكن في العراق تمتلك القوى اقتصادا موازياً خارج سيطرة الدولة والسلطة عبر منظومات محلية واقليمية ودولية من الصعب جدا السيطرة عليها. العلاج بالعقاب هو علاج العرض وترك المرض في نظام سياسي تمت صياغته بطريقة خاطئة.
الأدوات الأمريكية الحالية أدوات عقاب وبتر وليست أدوات بناء دولة حديثة مستقلة بل بناء دولة تابعة مرتهنة لأن ثقافة الفساد عميقة يستحيل تفكيكها بطرق جدية في نظام مثل هذا.
من صفات” الامبريالية الجديدة Neo-Imperialism اللجوء الى الوسائل الناعمة Soft Power في السيطرة على ثروات الدول النامية عن طريق الديون وسياسات الاقراض وفرض التكنولوجيا والعقوبات الاقتصادية والحجز والمصادرة.
بدل الغزو أو تعيين حاكم عسكري أجنبي، تعمل الإمبريالية الجديدة على دعم ونشوء نخب سياسية واقتصادية محلية ترتبط مصالحها الشخصية ببقاء الهيمنة الأجنبية. هذه النخب تدير البلاد وتسهل تدفق الثروات نحو الخارج مقابل الحفاظ على مناصبها ونفوذها وتحاول الخضوع للدول الكبرى خوفا من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية وصياغة طراز للحياة عن طريق الوسائل الثقافية للسيطرة على العقول.
الإمبريالية الجديدة هي استعمار ذكي وناعم لا يرفع سلاحاً في وجهك، بل يجعلك تفتح له أبواب خزائنك طواعية تحت مسميات “الاستثمار الأجنبي”، “العولمة”، “التجارة الحرة”، والتطوير التكنولوجي.
إن الحفل الصاخب في القبض على بعض اللصوص كان قنبلة دخان للتغطية على 15 مليون برميل نفط هدية كل شهر وهو يتجاوز 13 مليون برميل تصدره السعودية في اليوم هدية مجانية للولايات المتحدة الامريكية للحفاظ على النظام السياسي كرهينة وسرقة ثروة الأجيال القادمة مما يوضح صورة المستقبل. أي 180 مليون برميل في السنة أضعاف ما أنتج من النفط العراقي منذ اكتشافه.
بأسعار النفط اليوم فإن 15 مليون برميل نفط كل شهر يساوي سعرها: تقريباً بين 1.05 مليار دولار و 1.1 مليار دولار أمريكي. وفي السنة: القيمة الإجمالية لـ 180 مليون برميل سنوياً تتراوح تقريباً بين 12.6 مليار و 13.14 مليار دولار أمريكي. هذا اذا اعتمدنا على قول الزيدي نفسه في نصف مليون برميل يومياً مع ان الرقم الحقيقي لن يقف عند هذا الحد في ظل غياب دولة مستقلة وستكون عملية نهب واسعة للصوص استولوا على كنز اجيال قادمة.
أي هذه “الهدية” وحدها تعتبر ميزانية ضخمة جداً وقادرة على إحداث طفرة تنموية حقيقية وتغيير جذري في اقتصاد وبنية تحتية لأي دولة متوسطة الحجم، أو حتى إنعاش قطاعات عملاقة في دول كبرى.
180 مليون برميل سنوياً كهدية ومكرمة من الزيدي يعادل تقريباً نصف الإنتاج السنوي لدولة الرفاهية الاولى في العالم كالنرويج مكرمة من الزيدي للتخلص من العقوبات الصادرة بحقه من الخزانة الأمريكية بتهم الفساد لكنه في الوعي العام العراقي رجل الإصلاح مع انه باع مستقبل الاجيال القادمة لمصلحة شخصية.
الخروج من العقوبات ليس مجرد إجراء قانوني بل هو مسار سياسي معقد جداً. لكي ترفع الولايات المتحدة العقوبات عن شخص ما، تطلب غالباً تغييراً جوهرياً في السلوك، تنازلات سياسية مثلاً، إخضاع دائم وهو مصطلح فضفاض وعندما يوضع شخص في نظام عقوبات أمريكي سيكون في مواجهة جميع مصارف العالم التي تخشى التعامل معه لذلك يضطر للارضاء ولو باتخاذ مواقف انتهازية رخيصة على الضد من مصلحة بلاده لكن لا يرفع عنه العقاب لكي يبقى في حالة خوف وترقب ونحو مزيد من التنازلات وتحت ضغط شروط رفع تعجيزية تتراكم كل مرة وعادة رأس المال جبان لأنه يبحث عن بيئة آمنة ويخاف المغامرة ويتحاشى الصراعات وهنا ورطة الزيدي التي لن تنتهي بسلام بشكل قطعي.
القرارات التي تصدر باسم علي الزيدي كالقرارات التي كانت تصدر في النظام السابق بإسم مجلس قيادة الثورة التي كان يسمع بها من الراديو ويصدرها صدام حسين ، ولقد وضع هذا الرجل في مهمة خارج توقعه ورغبته وأحلامه ولا يعرف أين تتجه به هذه السفينة في بحر السياسة الهائج.
نحن أمام عودة ساخرة للتاريخ لكن على شكل مهزلة.
لقد تم رمي السيد علي الزيدي في بحيرة تماسيح وهدم حياته الهادئة الرومانسية أمام قوى عنيفة وهذه القوى لا ترى في هدوئه فضيلة، بل تراه نقطة ضعف يجب استغلالها أو سحقها وبحيرة تماسيح السياسة في العراق تختلف عن غيرها في العالم وتمتلك قدرة على تحويل الفولاذ الى طحين وطحن الحجر في لحظات وان انيابها تبدأ من الزمن الحاضر الى عصور الظلام ومن الصعب جدا على مركز أبحاث وعقل غربي أو أمريكي بل حتى عراقي تعقب جذورها حيث تتداخل الأسطورة مع المال والقبيلة مع الشعر والخرافة مع الخيرة والمسبحة مع الحلم واللامعقول مع المعقول والطيف في قيلولة الظهيرة يتحول الى قرار حرب أو سلام وألف مركز أبحاث أمريكي لا يستطيع توقع خطوة رجل زاهد في زقاق نجفي متهالك. عرض أق