حسابات واشنطن في منع البرهان من نيويورك .. وإعادة رسم خرائط النفوذ في السودان والبحر الأحمر

لم يكن منع الفريق عبد الفتاح البرهان من دخول الولايات المتحدة مجرد إجراء دبلوماسي عطّل مشاركته في الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ فالقرار حرم رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني من إلقاء كلمته في نيويورك التي كانت تتمحور، بحسب تسريبات صحفية، حول توجيه اتهامات مباشرة إلى الإمارات بشأن دعمها قوات الدعم السريع.
واشنطن ربطت، وفق مصادر ‘رويترز’، إصدار التأشيرة بموافقة البرهان على مقترح أمريكي لهدنة مدتها 90 يوماً طرحه مسعد بولس مستشار الرئيس ترمب.
لكن الخطوة فجرت أزمة مع حليفين لواشنطن في آن واحد. إذ أفادت مجلة The Africa Report بأن السعودية لوّحت بالانسحاب من “اللجنة الرباعية” الخاصة بالسودان، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، احتجاجاً على منع البرهان من حضور الجمعية العامة.
ورغم عدم صدور إعلان رسمي من الرياض بشأن هذا الانسحاب، فقد حمل الاجتماع الذي عقدته السعودية في نيويورك مع مصر وتركيا وباكستان، بالتزامن مع الأزمة، إشارات “ذات دلالة” عبّر عنها البيان المشترك للدول الأربع في صيغة التأكيد على أهمية الحفاظ على “المؤسسات الوطنية الشرعية” في السودان.
وفي قراءة تحليلية، ترى صحيفة Il Foglio الإيطالية أن الضغط الأمريكي المتصاعد على البرهان ومنعه من إلقاء خطاب شديد اللهجة ضد الإمارات “الراعي الرئيسي لقوات الدعم السريع” كما تصفها، ثم التشكيك في شرعية طرفي الحرب على لسان المتحدث باسم الخارجية ‘تومي بيغوت ‘ الذي قال صراحة قبل يومين إن “لا القوات المسلحة السودانية ولا قوات الدعم السريع ولا قائديهما يمثلون حكومة شرعية ودستورية للسودان” .. كل ذلك يعكس تغييراً في مقاربة إدارة ترمب للحرب السودانية.
ففي يناير 2025، أعلنت إدارة الرئيس السابق ‘جو بايدن’ رسمياً أن قوات الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية في دارفور، وفرضت عقوبات على قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) وعلى شركات مرتبطة بها في الإمارات. وفي المقابل، فرضت واشنطن في الشهر ذاته عقوبات على البرهان نفسه، متهمة القوات المسلحة السودانية بارتكاب جرائم حرب وعرقلة مسار الانتقال المدني.
أي أن السياسة الأمريكية السابقة كانت حريصة على إظهار عدم الانحياز “نظرياً” إلى أي من المعسكرين المتقاتلين في السودان.
غير أن التطورات الأخيرة جعلت الخرطوم ترى أن ميزان الضغط يتحرك في اتجاه واحد.
في أغسطس الماضي، أدانت واشنطن غارة نفذتها القوات المسلحة السودانية داخل تشاد ضد قافلة قالت الخرطوم إنها كانت جزءاً من خطوط إمداد لقوات الدعم السريع.
وفي مقابل تقرير المفوضية الأممية لتقصي الحقائق في فبراير 2026، الذي اتهم الدعم السريع بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وإبادة جماعية” بحق مجتمعات الزغاوة والفور، خلال حصار مدينة الفاشر واقتحامها، سعت إدارة ترمب -عبر مجلس الأمن – إلى توسيع حظر السلاح المفروض منذ 2005 على دارفور ليشمل كامل السودان، وهو ما تراه الخرطوم “عقوبة غير متكافئة”؛ إذ سيقيد الحظر موارد الجيش النظامي من السلاح، بينما تستمر قوات الدعم السريع في تلقي إمدادات عسكرية (معظمها إماراتي) عبر ليبيا وتشاد وإثيوبيا.
وفي السياق ذاته، يبرز ملف الأسلحة الكيميائية كأحد أهم أدوات الضغط الأمريكي على البرهان. إذ نشرت ‘نيويورك تايمز’ و’واشنطن بوست’ مطلع هذا الشهر تحقيقين استندا إلى نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو ورسائل نصية تم اقتناصها من هواتف ضباط سودانيين. وتشير هذه المواد إلى “برنامج سري” أطلقه الجيش السوداني عام 2024 لتحويل غاز الكلور، المخصص أساسًا لتنقية المياه، إلى ذخائر كيميائية، جرى اختبارها في الصحراء واستخدام بعضها في هجمات قرب الخرطوم ومصفاة الجيلي النفطية.
وتنقل الرسائل النصية، بحسب التحقيقيْن، أمرًا من البرهان شخصيا لأحد الضباط بـ”محو كل الآثار” بعد انكشاف البرنامج وفرض واشنطن عقوبات في مايو 2025. ورغم أن الصحيفتين المرموقتين اكتفتا في الإشارة لمصدر المعلومات بأنه “جهاز استخبارات شرق أوسطي”، فقد نقلت مواقع إخبارية عن مصادر سودانية وأمريكية أن الجهاز المقصود هو الموساد الإسرائيلي، وأن الملف يشبه معلومات كانت إسرائيل قد سلمتها إلى واشنطن قبل فرض عقوبات يناير 2025 على البرهان.
وإذا صحت هذه الرواية، فإن معاقبة قائد الجيش السوداني (الذي تدعمه مصر والسعودية) لم تكن نتاج الحسابات الأمريكية والإماراتية وحدها، بل جزءًا من شبكة مصالح أوسع تتغلغل فيها أصابع إسرائيل.
ومع ذلك، فإن قراءة التحولات في سياسة الإدارة الأمريكية تجاه السودان باعتبارها انحيازًا للدعم السريع أو حمايةً للإمارات، يظل قاصرًا ما لم يُقرأ في سياق سعي واشنطن لإعادة رسم خريطة النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي