كتاب وشعراء

خوارزمية القلب….بقلم عبد الرازق الصغير

كانت ليلى مضيفة في مطارٍ ينام على حافة الصحراء ويصحو على هدير
الطائرات. ترتدي ابتسامة مدرَّبة، محسوبة الزوايا، كأنها ناتج دالةٍ تضمن رضا المسافرين. أمّا سامر فكان عامل نظافة في المحطة نفسها؛ يكنس الأرضيات اللامعة التي تعكس وجوه العابرين، ويعرف أن لمعانها يخفي تعبًا طويلًا. يلتقيان كل صباح عند الساعة السادسة، حين يكون الضوء خفيفًا والبرد ما يزال في الهواء، وحين تتساوى الرواتب أمام أول فنجان قهوة.
كانت ليلى تحب المشي بعد نوبتها الصباحية إلى التلال القريبة من المطار. هناك، تمتد أشجار الزيتون مثل سطرٍ قديمٍ في كتاب العائلة، وتنساب الطريق الترابية بين صخورٍ صامتة. سامر، بعد انتهاء ورديته الأولى، كان يعمل وظيفةً ثانية في توصيل الطلبات مساءً؛ يطارد القدرة الشرائية التي تتقلص كل شهر، ويحسب الكيلومترات كأنها خوارزمية بقاء. التقيا ذات مرة عند سفح التلّ، حين انزلقت ليلى على حصى مبتلّ، فمدّ سامر يده. لم يقل شيئًا. اكتفى بابتسامةٍ تشبه صدق الأشياء البسيطة.
كان الحزن يزور ليلى في صورٍ صغيرة: رسالة من أمٍّ تقلق على مستقبلٍ مؤجل، فاتورة كهرباء تتسلل إلى حقيبتها، وصوتُ مديرٍ يذكّرها بأن الابتسامة جزء من الوصف الوظيفي. أمّا سامر فكان حزنه صامتًا: يداه المتشققتان، ودفتر صغير يدوّن فيه مصروف اليوم، وذاكرةُ أبٍ علّمه أن العمل شرف، حتى حين لا يراك أحد.
في إحدى الليالي، انقطعت الكهرباء عن الحيّ. جلسا على درجٍ يطلّ على وادٍ واسع، والقمر ينسكب على الصخور. تحدث سامر عن الخوارزميات التي تدير التطبيقات التي يعمل معها: كيف تُكافئ السرعة وتُعاقب التباطؤ، وكيف تصنع ترتيبًا خفيًّا للناس. قالت ليلى إن حياتها أيضًا محكومة بخوارزمية غير مرئية: ساعات الطيران، تقييمات الركاب، ومؤشر الرضا. ضحكا حين اكتشفا أن القلب لا يظهر في أي معادلة.
التشويق جاء فجأة، مثل عاصفة رملية. إشاعةٌ عن خصخصة خدمات المطار، وخطر تسريحٍ يلوح في الأفق. ليلى خافت على وظيفتها الأولى، وسامر خاف على الثانية. في تلك الأيام، صار الوادي أكثر اتساعًا، والسماء أكثر ثِقَلًا. كانا يمشيان صامتين بين الحقول، يتأملان تغيّر الضوء على سنابل القمح، كأن الطبيعة وحدها تفهم تأجيل الأحلام.
قرّرا محاربة الكبت لا بالصراخ، بل بالفعل. اقترحت ليلى مشروعًا صغيرًا: تنظيف سيارات عند أطراف المطار، فكرة بسيطة تُقاوم الحسابات القاسية. سامر استخدم ما تعلّمه من التطبيقات ليبني نظامًا صغيرًا للحجوزات—خوارزمية عادلة، تُوزّع الوقت والجهد بلا استنزاف. كان المشروع كنبضٍ جديد، لا يعد بالكثير، لكنه يمنح معنى.
في صباحٍ بارد، وقفت ليلى على شرفة بيتها، تنظر إلى التلال التي بدأت تخضرّ. شعرت بحزنٍ خفيف، لكنه قابل للشفاء. سامر أرسل لها رسالة: “الخوارزمية تعمل. ليس مثاليًا، لكنه صادق.” ابتسمت. أدركت أن الرومانسية ليست وعدًا كبيرًا، بل قدرة على الوقوف معًا أمام أرقامٍ لا ترحم، وتحويلها إلى قصةٍ قابلة للعيش.
عادا إلى الوادي في المساء. الريح تمرّ بين الأشجار، والطريق الترابية تعرف خطاهما. لم يتبادلا عهودًا، ولم يرسما مستقبلًا مُحكمًا. اكتفيا بأن يمشيا جنبًا إلى جنب، وأن يتركا للقلب حقّه في الخطأ، وللخوارزميات أن تتعلّم منه. في ذلك التوازن الهشّ، وُلد حبٌّ يعرف الحزن، ويُجيد الفرح، ويقاوم—بهدوء—كل ما يحاول اختصاره إلى رقم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى