الموسيقار يحيى الموجي: “مازال التخت الشرقي يعزف القديم ولا يوجد أعمال جديدة يقدّمها..”.. حاورته الصحفية: نداء الدروبي

بين أوتار الكمان الشجيَّة وخطوط التوزيع الموسيقيَّة المعاصرة ينسج الموسيقار “يحيى الموجي” ألحاناً تعيد تشكيل وهندسة مشاعر الروح ليأخذ المستمع في رحلة فريدة تجمع بين أصالة الآلة وحداثة التوزيع، كما يعمل على دمج الوتريات الكمان مع التوزيع، ونقل العاطفة بتعبيرية قوية وبتنوّع في مهارة التلحين والتوزيع في آن واحد. وقد نهل حبّ الفن عن والده الموسيقار الكبير محمد الموجي الذي بدأ مشواره الفني وهو في الثامنة من عمرة، وأحبّ الفن منه كونه يعزف على الكمان والعود.. بجانب هذا امتلك عمُّه مكتبة موسيقية غنيَّة. أما يحيى فكانت أهم محطاته المهنية: الموسيقى التصويرية للأفلام: فيلم الإسكندراني (2024). في حين عمل الموسيقى التصويرية لأفلام يوسف شاهين، وشارك في وضع موسيقى فيلم “المصير” مع كمال الطويل، وكذلك أفلام “الآخر” و”إسكندرية نيويورك”.
أفلام أخرى: “إسماعيلية رايح جاي”، “قصاقيص العشاق”، “العاشقان”، و”أنت عمري”.
المسلسلات والدراما:
شارك في عزف الموسيقى للعديد من المسلسلات مثل “أبو جبل” (عزف كمان) و”بخط الإيد” (عزف وتريات).
المسيرة الموسيقية:
عضو في الفرقة الموسيقية للفنان عمرو دياب. تخرَّج في معهد الكونسرفتوار، وعمل كمعيد به وعن تجربته الفنية أجرينا معه الحوار الآتي:
*حدثنا عن رحلتك الفنية مرحلة البدايات كيف تشكَّلت وتطوَّرت؟؟
**رحلتي الفنية ابتدأت من بيتنا مع والدي الموسيقار محمد الموجي، إذ كان في منزلنا عود فقط وقد برعت في العزف عليه؛ ولكن أبي وجَّهني نحو آلة الكمان لأن العود محليٌّ والكمان عالميٌّ، ودفعني كي أدرس التوزيع الموسيقي والهارموني والكتابة للأوركسترا لأواكب التطور أكثر، وأستطيع أن أؤلِّف وأوزِّع الموسيقى وأقدِّم أعمالاً موسيقية، وأعزف مع الأوركسترا، وأصبح عازف كمان عظيم.. ومن هنا درست هرموني واتجهت للتأليف والتوزيع الموسيقي.
*ماهي أسرار التقسيم والارتجال؟؟
**يجب أن يكون العازف دارساً لجميع المقامات الموسيقية، وأن يتقنها بشكل جيد، كما يجب أن يكون عنده ملكة خلق الجملة الموسيقية أثناء التقسيم، وكيف ينتقل من مقام لمقام، ويقرِّب المقامات من بعضها
*هل واجهت صعوبة وأنت تُشكِّل لنفسك شخصية في البدايات بعيدة عن والدك؟
**بالتأكيد اسم محمد الموجي كبير جداً ويجب أن أكون على قدر المسؤولية كي أحمل اسمه، لذلك حاولت أن أحافظ على مكانته حتى يومنا هذا.. وكنت ومازلت دائماً حريصاً أن أعيد أعماله وأعيد توزيعها في حين تعمَّدت الابتعاد عن التلحين كي أشكِّل لنفسي شخصية لا تكون طبق الأصل عن أبي فاتجهت للتوزيع والتأليف الموسيقي.. وحتى أنا في بداياتي عملت أغاني وأموراً عديدة بعيداً عن والدي كي لايقال: إن والده هو الذي أظهره فحدَّدت شخصيتي من هنا.
*كيف أثَّرت نشأتك الموسيقية في تشكيل ذائقتك الفنية وهويتك كعازف كمان؟
**نشأت في بيت موسيقي حيث كان كلُّ الفنانين يزوروننا في منزلنا مثل: “عبد الحليم، صباح، شادية، فايزة أحمد، وردة، محرَّم فؤاد، نجاة الصغيرة، هاني شاكر… إلخ”. كل هؤلاء الفنانين كنت معهم ورأيت كيف يؤدُّون أغانيهم في الجلسات الفنية مع والدي.. كنت أراقب بشغف طريقة أدائهم للعُرَب، وكيف أقول كذا، وطريقة الغناء بإحساس.. فكلُّ هذا بالتأكيد قدَّم لي دفعاً وثقافةً فنيةً نحو الأمام.
*كيف ترى تطور الموسيقى الشرقية في ظل الانتشار الكبير للموسيقى الإلكترونية؟
**الموسيقى الإلكترونية سلاح ذو حدَّين.. الذي يستخدمها جيداً ويستطيع أن ينفِّذها بطريقة شرقية تكون جيدة تماماً لأنها في صالح الموسيقى وتطورها؛ ولكن الذي يستخدمها بعيداً عن عقله وتفكيره وشخصيته فسوف تأخذه إلى مكان آخر إذ تصبح كل موسيقاه متشابهة تقريباً ليس له بصمة خاصة في التوزيع الموسيقي.. ففي وقتنا الراهن للأسف انتشرت الموسيقى الإلكترونية بشكل كبير وبطريقة سيئة.
*هل قمت بإعادة توزيع أغانٍ قديمة لوالدك، وكيف كانت ردة الفعل تجاهها؟
**قمت بتوزيع أغانٍ قديمة لوالدي وهي: “جبَّار، كامل الأوصاف، نار”. ثلاث أغانٍ نزلت في ألبوم، وكانت من غناء “ليلى غفران”، وقد لاقت نجاحاً مدوِّياً لأنَّني حافظت على شكل الأغنية، وأضفت إليها بعض التوزيعات واللمسات الخفيفة.
*ما اسم العازف الذي شكَّل وجدانك الفني؟
**يوجد عازفون عالميون ومصريون شكَّلوا وجداني بشكل ملحوظ بحكم أنني أعزف شرقي وغربي كوني خريج الكونسيرفاتوار، وتأثَّرت جداً “بهايفتس عازف الكمان العالمي، وأويستروخ، ويهودي من مورن” هؤلاء العازفون الثلاثة أثروا في طريقة عزفي الغربي واستفدت منهم كثيراً…. أما بالنسبة للعزف الشرقي فتأثرت “بالحفناوي، وأنور منسي” كونهما مدرستين رائعتين اكتسبت منهما خبراتٍ كثيرةً جداً فقد تعلَّمت من “الموسيقار أنور منسي” الأداء الموسيقي يعني لدي صوت القوس والببروتوا على الوتر.. مثل أنور منسي طريقة أدائه.. وضعية أصابعه السليمة، تعلَّمت من “الحفناوي” وطريقة التقاسيم وأسلوب الأداء الشرقي والعُرَب الجميلة التي تخرج من القلب.. أخذتها من الحفناوي وتأثرت بها كثيراً لذلك الذي يستمع لعزفي سوف يلاحظ هذا جيداً.. وبعد كل هذا انتهجت طريقاً خاصاً بي في العزف وشخصية مستقلة لم أُقلِّد أحداً.
*ما مهام عازف الكمان؟
**عازف الكمان لديه القدرة على قيادة التخت الشرقي والأوركسترا السيمفوني بشكل كامل، كما يستطيع العزف بشكل منفرد ومع الفرقة، وأن يكون قائداً بشكل متكامل.
*كيف تتجلى روح الموسيقى الشرقية لديك عبر آله غربية؟
**من أجل أن تتجلَّى روح الموسيقى الشرقية في الآلة الغربية، فمثلاً لو كنت أعرف كمان غربي يجب أن يكون إحساس الموسيقي الشرقية داخل وجداني، كما يجب أن أكون دارساً للمقامات بشكل جيد، وأن أكون مستمعاً لأغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وموسيقى وأغاني محمد عبد الوهاب والأغاني الشرقية كي أستطيع تطبيق التكنيك الغربي مع الإحساس الشرقي، وهذا يتطلَّب موهبة موسيقية تامَّة.
*كيف تقرِّب “الموسيقى الشرقية الكلاسيكية” من جيل الشباب الذي أصبح يسمع الأنماط الحديثة؟
**من أجل أن نُقرِّب الموسيقى الكلاسيكية من الأنماط الحديثة يجب أن يكون الموزِّع الموسيقي دارساً للغربي جيداً ومتمكِّناً من الهرمون ودارساً للمقامات الشرقية لأنَّ هرمنة المقامات الشرقية في منتهى الصعوبة كي تكون حلوة على أذن المستمع.
*ما الحلم الموسيقي الذي تسعى لتحقيقه ولم تصل له بعد؟
**حلمي الموسيقي الذي لم أُحقِّقه بعد هو أن أجمع موسيقى محمد الموجي وأعمل منها سيمفوني غربي جميل ومبتكر.
وبالنسبة لي عملت محاولة في “ليلة روائع الموجي”، وهي عبارة عن كم جملة موسيقية، وكان معي
عازف البيانو العالمي “رمزي ياسا”، وقدَّمنا أغنية “وراء بعض” وكانت ناجحة.. وفي المستقبل -إن شاء الله- سوف أعمل حركة أولى وثانية وثالثة مثل الفنانين العالميين تماماً، وهذه لم أحقِّقها بعد.
*مامدى تأثرك بالمدارس الكلاسيكية وماهي رؤيتك المستقبلية للتخت الشرقي؟
** تأثَّرت بالمدارس الكلاسيكية بشكل تام، وعزفت أعمالاً كلاسيكية كثيرة “لبتهوفن، وموتزارت، وباخ، وخسادوريان، ومندلسون”، وعزفت كونشيرتو تشايكوفسكي وعدداً لاحصر لها من المدارس الكلاسيكية، وتأثَّرت بها، واستفدت منها كثيراً في التأليف والتوزيع الموسيقي. أمَّا رؤيتي المستقبلية للتخت الشرقي فمازال مستمراً ولكن عيبه لم يتطور بعد ومازال يعزف القديم ولا يوجد أعمال جديدة يقدِّمها، والعيب من الملحنين والمؤلِّفين الموسيقيين كونهم لم يؤلفوا للتخت الشرقي كي يتطور.
*كيف توازن بين القواعد الموسيقية الصارمة والأكاديمية؟؟
**طبعاً العازف من أجل أن يكون مجتهداً لا بدَّ في البداية أن يعزف غربي أي أن يكون أساسه غربي وبعد ذلك على حسب نشأته وتربيته ممكن يسمع شرقي مثلاً لأم كلثوم وعبد الوهاب، ويتعلَّم ويسفيد منهم ويبدأ بتطبيق تكنيك الكلاسيكي في العزف الشرقي ومن هنا تأتي “فطرة الشرقي” للإنسان تترجم جيداً لأن له تكنيكاً غربياً ويستطيع العزف باحتراف.
*كيف تتجلى روح الموسيقى الشرقية لديك عبر آلة غربية؟
**من أجل أن تتجلَّى روح الموسيقى الشرقية في الآلة الغربية.. مثلاً: لو كنت أعزف غربي يجب أن يكون إحساس الموسيقى الشرقية موجوداً في وجداني، كما يجب أن أكون قد درست المقامات جيداً، وأستمع لموسيقى وأغاني الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأغاني أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، والأغاني الشرقية كي أستطيع تطبيق تكنيك الغربي مع الإحساس الشرقي، وكل ذلك يتطلَّب موهبةً موسيقيَّةً تامَّة.
*كيف تختار المقام وتتنقل بين العواطف في الارتجال الحر؟
**الارتجال واختيار المقام حسب نوع الموسيقى التي نستعملها، يعني لو عزفنا موسيقى نهاوند مثلاً نختار نهاوند، ولو لعبنا موسيقى بياتي نختار مقام البياتي فيه أيضاً، كذلك الرصد نعمل رصد وهكذا كي نرتجل. أمَّا بالنسبة لي فأنا أحبُّ مقام النهاوند كثيراً ويتفرَّع منه الحجاز والبياتي والعجم والصبا، كما يحصل فروع كثيرة للمقام الشرقي الذي أختاره.
حوار: نداء الدروبي