
في رحلته إلى السودان قبل 100 عام استقل الدكتور هيكل قطارا إلى محطة الشلال في أسوان.
في وصفه لخط سير الرحلة، أعفى الدكتور هيكل القراء من تفاصيل الطريق من القاهرة إلى الاقصر، لأن المسافرين يعرفون هذا الطريق بصورة جيدة.
في المقابل يبدأ الدكتور هيكل في توضيح معالم رحلته من الأقصر، فيذكر أن الطريق محاط بصحراء العرب من الشرق وصحراء ليبيا من الغرب.
والطريف هنا أن الدكتور هيكل يستخدم مصطلحات هيرودوت التي مر عليها أكثر من ألفي سنة، وهي نفسها مصطلحات الحملة الفرنسية السابقة على رحلته بأكثر من قرن !
فصحراء العرب هي ما نسميه اليوم صحراء مصر الشرقية وصحراء ليبيا هي ما نسميه اليوم صحراء مصر الغربية.
بلغة الجغرافيا المبكرة في الربع الأول من القرن العشرين، يرصد الدكتور هيكل شكل السهل الفيضي والأحواض الرزاعية والمسافات الفاصلة بين الجبال المطبقة على النهر شرقا وغربا.
وحين يصل القطار “إسنا” يسجل هيكل نشاطا غير الذى اعتاده الركاب، إذ يحيط بالقطار من الأهالي باعة السلال المصنوعة من الخوص وأطفال يتجرون بفاكهة البرتقال واليوسفى أفندي.
وحين يصل القطار إلى محطة كوم أمبو، يسجل هيكل مظاهر الخصب والنماء في الأرض الزراعية، لكنه يبدي دهشته من أن تبقى آلاف الأفدنة مما يحيط بالنيل – إله الخصب – جرداء لا زرع فيها ولا نماء رغم إمكانية استغلالها.
يناشد هيكل كلا من الحكومة والأهالي تحويل كوم أمبو إلى مستقبل للتوسع الزراعي بدلا من ترك أرضها غامرة بمياه الفيضان لا يتحصل منها المزارعون إلا على القليل ويعيشون على ما يجود به عليهم أقاربهم ممن يعملون بالخدمة في المدن.
هذه الدعوة التي ينادي بها هيكل ستتحقق في العهد الجمهوري وسيحظى سهل كوم أمبو بمشروع كبير للاستصلاح الزراعي وسيكون معظم سكانه من أبناء النوبة الذين تم تهجيرهم إثر بناء السد العالي وغمر أراضيهم.
يتابع هيكل رحلته فيسجل صورا من السائحين والزوار الأجانب، قلم الأديب يتجلى حين يصور هيكل السائحين وقد جاء بعضهم قاصدا المشتى البديع، وفيهم شيوخ جاءوا يرجون أشعة الشمس المحسنة التماسا لبعض معاني الصبا والشباب، وفيهم عليل يمشى فى مناكب الأرض يبتغى الصحة، وفيهم حسناء تصحب هذا الشيخ أو ذلك العليل يعزيه حسنها ورقتها عن مشيبه أو علته، وترى هي في أداء الواجب لهذا العزيز شيئا من رضاء النفس يعوضها عن المدن وبهجتها، وما ينسيها تقلب القلوب وأكاذيب الألسن وظلمات النفوس التي طالما خدعتها باللفظ المعسول.
يواصل هيكل تدوين رحلته في 1926 حين يقطع القطار المسافة من أسوان إلى الشلال بعد سنوات من تشييد خزان أسوان، فيتوقف عند تصوير التلال الجرانيتية التي قدّ منها المصريون القدماء صخورا من الحجر والجرانيت نحتت منه مسلاتهم وتماثيلهم وأقيمت منها معابدهم وآثارهم المجيدة.
في الشلال (محطة القطار الأخيرة في أرض مصر) ينتظر الركاب باخرة تأخذهم إلى وادي حلفا.
على متن الباخرة لا يفقد هيكل عنايته بالجغرافيا الطبيعية، فيصف جبال السلسلتين اللتين تطبقان على نهر النيل (لم يكن هناك بحيرة ناصر ولا السد العالي) عند مركز الدر. وفيما حول الدر ومن خلفها جبال وصحاري غير ذات زرع .
يصف هيكل مركز الدر بـ “خزان أسوان” فضلا عن كونه “حصنا بديعا”. يمدح هيكل باشا مركز الدر ويراه “من خير مراكز مصر ويجب أن يكون من أعزها عليها ”
الجغرافيا الشاعرية تعبر عن نفسها في قلم هيكل بعد الدر حين يقول:
” وأنت كلما انحدرت إلى ناحية الجنوب منه وجدت جوا أصح من نواحي الشمال فيه، ووجدت سماء صفوا تلمع نجومها فتضىء فى الليالي التي لا قمر فيها، حتى لتحسبها مصابيح الكهرباء شدت إلى السماء بخيوط من نور الأمل الساحر”.
لا تفوت هيكل باشا ملاحظة ذكية من تراجع الأهمية الزراعية والعمرانية لمركز الدر بعد تشييد خزان أسوان في مطلع القرن العشرين، فحين ارتفعت المياه في النهر غمرت المياه أراضي الدر الخصبة.
وهذه ملاحظة مهمة للغاية لأن الناس تعتقد أن النوبة فقدت خصوبتها فجأة مع خزان أسوان في ستينيات القرن العشرين.
رحلة هيكل باشا في 1926 دليل وشاهد على هذه الملاحظة جراء تشييد خزان أسوان الذي كان المرحلة الأولى من غمر أراضي النوبة أسفل المياه المختزنة.
هيكل باشا الذي أعجب في شبابه في فرنسا بالفنون والآثار لا يفوت فرصته هنا في النوبة في طريقه بالباخرة إلى وادي حلفا فيصف الآثار الخالدة، حين عرج على “وادى السبوع” و”آماد” و”أبی سنبل” وغيرها .
نلاحظ هنا أن هيكل باشا استخدم مسمى “آماد” وفق الرسم الإنجليزي وهو يقصد على الأرجح معبد “عمدا”. و”أبو سنبل” نرسمه حاليا على صيغة “أبو سمبل”.
يرى هيكل باشا في هذه الآثار مظاهر من الفن القديم الخالد للعظمة والقوة ودلالة على المجد والسطوة.
ورغم أننا في فترة مبكرة من العناية بالآثار (1926) إلا أن الدكتور هيكل يرصد ليلة وصوله إلى أبو سنبل معربا بقوله:
” أبو سنبل بين آثار مركز الدر هو أكثرها عظمة وقوة ومجدا وسطوة، وناهيك بمعبد أقامه رمسيس ليكون واحدة من آيات خلده . وكان رسو السفينة عند أبي سنبل في منتصف الليل فمدت إليه أسلاك الكهرباء ليرى السائح ابن اليوم نقوش أجداد الإنسانية الخالدين على ضيائها اللامع”.
ويعلق الدكتور هيكل على مرور الباخرة بوادي السبوع فيقول:
“هو أقرب آثار مركز الدر الى أسوان، فيقوم فوق هضبة غير بعيدة عن النهر، يتخطى الداخل إليه دهليزا يحيط به “آباء هول” هي السبوع التي أطلق اسمها على الوادي عند أهل هذه المنطقة من السذج القانعين بسعادة الطبيعة الساذجة، وقامت داخل المعبد وفى ساحته تماثيل دكت من بعضها رؤوس وتحطمت من البعض سيقان.
ينادي هيكل باشا بتعظيم الاستثمار في هذه المنطقة وأهلها ليجد فيها الزوار من وسائل الراحة والنعمة ما يطمع فيه من يرغب في الاستشفاء ومن يفر من قارس قر الشتاء، ويرى أنه لو تم ذلك لأفادت مصر من مركز الدر كثيرا ولأفاد أهل هذا المركز من مصحهم الشتوى البديع ما يغنيهم من فاقة وما يجعلهم – وهم أهل أمانة ونشاط – قوى منتجة ذات أثر فعال في حياة مصر العامة.
وحين تقترب الباخرة من حلفا، يحيط بالمشهد الأرضي نخيل وأعشاب وتلال ورمال. وتدخل الباخرة في “سلطان حكومة السودان بعد ما ظلت في سلطان حكومة مصر” وهنا يسأل هيكل نفسه: “هل نحن سائحون في بلد أجنبي، أم نحن أبناء النيل ما نزال في وطننا تحكمنا قوانينه كما تحكمنا طبيعته الجميلة الفاتنة؟”
ولما اقتربت الباخرة من حلفا أقبل عليها رفاص فيه موظف أوراق الجواز إلى السودان وطبيب مهمته أن لا تدخل الى السودان أوبئة من مصر. وهما إنكليزيان.
وكان أول ما لفت بعض المسافرين الذين جاءوا إلى السودان قبل اليوم أن هذا الرفاص كان يرفع في الماضي العلمين المصري والانكليزي. أما في هذه المرة فلم يكن عليه إلا العلم الانكليزي.
“وقد أجاب إنكليزي كان معنا بأن العلم المصري ما يزال يرفع في السودان، فعدم رفع الرفاص للعلم المصري لابد أن يكون سببه ضيق المكان المعد لرفع العلمين عن أن يتسع الا لعلم واحد . قال رفيق : والعلم المقدم هو بالطبع علم صاحب النفوذ الفعلي.”.
في المقال المقبل بإذن الله نتابع رحلة الدكتور هيكل والتي سيمر فيها في صحراء “العطمور” قاصدا الخرطوم.