رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب :هل يموت الشيطان؟

في البدء كان الخوف منذ أن وعى الإنسان وجوده على هذه الأرض، واجه معضلتين كبريين:
وحشة الطبيعة القاسية، ووعثاء المسؤولية عن أفعاله.
وفي محاولته للتكيف مع عالم يفيض بالشرور والمعاناة، لم يجد العقل البشري بداً من تجسيد هذا الشر في كائن هلامي، مطلق القدرة في غوايته، ومحمل بكل الآثام.
هكذا وُلد “إبليس” أو “الشيطان” في المخيلة الجمعية. غير أن القراءة التفكيكية للتاريخ والسياسة والنفس البشرية تكشف عن حقيقة مغايرة تماماً للسردية الغيبية؛
فالشيطان في جوهره ليس كائناً مستقلاً بذاته، بل هو أداة وظيفية برغماتية، واختراع إنساني عبقري، لو لم يوجده الأقدمون كضرورة، لكان على الوعي البشري المعاصر أن يخترعه حتماً لضمان بقاء المنظومات القائمة.
هو كبش الفداء وهروب الأنا من جحيم المسؤولية في البعد النفسي الفردي،
يمثل الشيطان حاجة سيكولوجية ملحة للتهرب من مواجهة الذات. إن الاعتراف بالمسؤولية الكاملة عن الخطأ، والجشع، والخيانة يتطلب شجاعة أخلاقية تفوق قدرة الإنسان المتوسط. هنا، يتدخل “الشيطان المخترع” كإسقاط نفسي مثالي (أو ما يطلق عليه كارل يونغ “الظل”). عندما يرتكب الإنسان حماقة أو جريمة، يلوذ فوراً بالعبارة الشهيرة: “لقد غواني الشيطان”.
إن هذا الإسقاط يحمي “الأنا” من التفتت، ويمنح الإنسان صك غفران مجاني يخليه من التبعة الأخلاقية، محولاً إياه من “فاعل للشر” إلى “ضحية لقوة خارقة”. ومن ثم، فإن الشيطان هو ضرورة نفسية لتخفيف عبء الضمير البشري.
إذا انتقلنا من الفرد إلى المجموع فهو شريان الحياة للاستبداد السياسي ، نجد أن الشيطان هو “الأكسجين” الذي تتنفسه العروش والأنظمة المستبدة. إن الحاكم السلطوي يدرك غريزياً أن شرعية الإنجاز (من تحقيق عدالة ورخاء وحريات) هي شرعية مكلفة وصعبة المنال، ولذلك يستعيض عنها بـ”شرعية الحماية”.هنا يتم تحوير مفهوم الشيطان وتشكيله في قوالب مرنة وفقاً لمتطلبات المستبد؛
تارة يكون “الاحداث والظروف الدولية والمؤامرات الخارجية”، وتارة “الطابور الخامس” أو “العميل الخائن”. من خلال صناعة هذا العدو الوهمي، يفرض المستبد معادلة سحرية على شعبه:
“أنا أحميكم من الشيطان، إذن وجودي ضرورة”. في غياب هذا الشيطان، سيتلفت الناس إلى الداخل ويسائلون السلطة عن حقوقهم وأموالهم، لكن تحت وطأة “الخوف من الشيطان”، تخرس الأصوات وتُقمع الحريات طواعية تحت شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة
هو رأس المال الروحي والمادي (شياطين الأيديولوجيا) لم تكن المؤسسات الدينية التقليدية، ولا المنظومات الاقتصادية الكبرى، بمعزل عن هذه التجارة الرابحة. فرجال الدين عبر العصور احتاجوا إلى شيطنة المخالف في المذهب أو الدين ليحتفظوا بـ”حق احتكار الحقيقة وسلطة الوساطة الروحية”، فبدون شيطان يهدد خلاص الأرواح، يفقد الكاهن وظيفته وسيطرته على العقول.وعلى المنوال نفسه، دارت عجلة المنظومات الاقتصادية؛ فالرأسمالية شيطنت الشيوعية باعتبارها وحشاً يلتهم الحريات والملكيات، والشيوعية شيطنت الرأسمالية باعتبارها مصاصة لدماء الكادحين. كل منظومة تصنع من الأخرى “شيطاناً رجيماً” لتبرير عيوبها الهيكلية، ولإقناع الجماهير بأن الجوع الحالي أفضل بكثير من جحيم المنظومة البديلة.
كانت هناك حتمية لاختراع الشيطان في العصر الحديث فلو افترضنا جدلاً أن الأقدمين لم يورثونا فكرة الشيطان، هل كنا سنعيش في عالم بلا شياطين؟
الإجابة القاطعة هي لا. إن العقل البشري المعاصر، المشحون بأدوات الحداثة والتكنولوجيا، أثبت قدرة فائقة على إعادة إنتاج “الشيطان” بصور علمانية ومادية. الخوارزميات الرقمية اليوم في شبكات التواصل الاجتماعي تعيش وتتربح من “الاستقطاب وشيطنة الآخر” (سواء كان هذا الآخر لاجئاً، أو عرقاً مختلفاً، أو تياراً سياسياً مغايراً).
يحتاج المجتمع دائماً إلى “شيطان جماعي” ليوحد صفوفه الداخلية المفككة بناءً على كراهية الخارج لا على قيمة الداخل
خاتمة:
العمر الافتراضي للهرم
إن الشيطان هو المادة اللاصقة التي تمنع الهرم الاجتماعي والسياسي من الانهيار. غيابه يعني انكشاف عورات المستبدين، وفقدان المؤسسات لنفوذها، ومواجهة الإنسان لمرآته العارية بلا أعذار.
لذلك، يظل الشيطان الاختراع الأكثر ذكاءً واستدامة في التاريخ؛ فهو الكائن الذي يُحارب علناً ويُحافظ على وجوده سراً، لأن موته الحقيقي يعني نهاية العمر الافتراضي لكل من يتربعون على قمة الهرم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى