
ـــــــ إذا كنت تريد أن تستشرف صورة المستقبل، تخيل حذاءً يدوس ويدمغ وجه إنسان إلى أبد الآبدين* جورج أورويل.
الذين يبحثون عن السلطة أو النظام في الحكومة ومؤسساتها،
وخطاباتها وقوانينها،
لن يعثروا إلا على الجانب العلني المزيف من السلطة، الجانب الشعاراتي الخطابي الاحتفالي ،
وهذا الجانب الزائف غذته ونمّته كل الأحزاب الشمولية الثُور ـــ ية،
وقادت الناس الى الطريق الخاطئ وصناعة المفهوم الضيق في أن النظام هو الحكومة
وتم بناء مؤسسات وهندسة عقول وأحلام وأوهام بل حتى مذابح على أن تغيير الحكومة هو تغيير النظام.
يوم صدرت لي رواية” سنوات الحريق” عام 2000 تتعرض لنقد عنيف لمعارضة الامس وسلطة اليوم وكيف ستعيد انتاج النظام الدكتاتوري لو استلمت سلطة وفيها عبارة واضحة تقول:
” اذا كنتم تمثلون المستقبل، فستكون جلودنا أحذية”،
اتصل بي عضو لجنة مركزية هو اليوم عضو مكتب سياسي لحزب طبقي ثوري اشتراكي من الدنمارك في الهاتف ــــــــــــ المكالمة محفوظة حتى اليوم وكان الهاتف يسجل آليا المكالمات ــــــــــ مهددا بالقول:
” يسقط النظام ونعرف ماذا نفعل لك”،
كان ردي مختصرا وواثقاً وأغلقت الخط بعد أن صرت ميدان رمي لسلطتين واحدة قائمة والأخرى في الطريق:
” بهذه العقلية لن يسقط النظام”.
واثبثث الأحداث ان النظام لم يسقط كعقلية ومُلكية وطريقة ادارة السلطة والثروة وإن سقطت المؤسسة لأن الطاغية ليس فرداً بل هو نسق ثقافي. أما “الرفيق الثوري” فقد عاد بعد سقوط النظام وصار يتقاضي أربعة رواتب بعناوين مختلفة من أموال الكادحين والأرامل والفقراء الذين كان يرفع شعار الدفاع عنهم وما زلت في منفى ثابتاً على القضية نفسها في الدفاع عن الحرية. ظهر ان “الرفيق المناضل” عضو في مكتب متخصص بالتشهير الثوري السوقي واستطاع قيادة قطعان الغوغاء من المخصيين عقلياً باختراع قضايا وهمية للخلاف لخداع وحشد ببغاواته لأن هذا الصنف عاش على كل أنواع الكذب والتدجين وخداع حتى الاتباع كممارسة ثورية.
النظام موجود في المناهج المدرسية وفي علاقات الناس، وفي أطفال المزابل ونوافذ المدارس المكسرة في الشتاء، في عقول الأساتذة والمربين وفي خطابات الجوامع،
في نظام الشرفات حيث الشرفة الامامية تعكس مستوى الانفتاح والتعايش الهادئ،
والخلفية مستوى الانغلاق والتعايش القلق. في الحديقة المنزلية الامامية او الخلفية وفي شبّاك حديد النوافذ.
النظام ان تكون انت في الداخل كما في الخارج، لا مجمّع شخصيات ولغات وأدوار وأقنعة. في نفايات الشوارع وتلال الازبال. في الحاضر المرتبك وفي الغد المجهول.
النظام موجود في حجم الاقفال كبيرة أم صغيرة، في ارتفاع جدران المنازل أو انخفاضها ــــ الجدران هنا في النرويج أشجار وزهور تعكس النظام السياسي والثقافي. الثقافة الحية تظهر في الجدران وليس في الخطابات والشعارات.
في كاميرات المراقبة في الشوارع وفي المنازل التي تعكس الخوف بل دخلت الكاميرات غرف النوم وصالات الجلوس بعد انهيار مصدات أخلاقية مقدسة.
النظام السياسي في الحدائق العامة لأن الحدائق تعكس مراحل التاريخ،
السلطة في وجوه الارامل واليتامى وكبار السن الذابلة، في العيون القلقة للشباب والشابات، في طوابير الازدحام في المطارات للهجرة،
وفي الوجوه المنتظرة خلف النوافذ كزهور ذابلة.
الدفان على قول ماركس يعرف النظام السياسي من وزن الموتى،
كما يعرف البقال وربة البيت حجم الازمة من دفتر ديون الزبائن،
وأصحاب الأفران يعرفون الدخل المالي للعوائل أكثر من خبراء الاقتصاد
كما تعرف الجدات النظام من مشتريات سلة التسوق.
السلطة في اللغة عند الاختلاف اذا كانت لغة سوقية بقشرة سياسية أو نقدية مستهترة وباهتة أم لغة متحضرة مهذبة. دائما تقبع السلطة خلف اللغة.
النظام موجود في مواقد الشتاء وحكاياته، في الوجوه الآمنة المطمئنة والنوم الهادئ السعيد.
النظام موجود في كأس حليب تشربه في الصباح بكل هناءة، وفي أغنية تسمعها وأنت جذل،
في دفتر الضمان الصحي والاجتماعي وفي ضمان حياة الاطفال من الولادة
حتى اليوم الأخير.
النظام قاضي تشتكي منه عنده، ورئيس دولة تلتقيه في الشارع وتصافحه كصديق لا موكب زعيم عصابة وخلفه طابور مسلح يراقب المارة.
النظام السياسي في الايقاع الهادئ للمشي لان المشي موسيقي يعكس الامان الداخلي بلا تلفت ولا قلق.
النظام السياسي في سرير الوفاء لا ملعب زبائن كلما سنحت الفرصة،
في قدح شاي تشربه في مقهى بكل أمان، في كتاب تشتريه من مكتبة لا من مكتب أمن مموه.
النظام موجود في وصفة علاج تشتريها،
وحذاء تشتريه دون احتضار وحساب ماذا سيبقى من مصروف العائلة.
كل مساوئ السلطة في مشهد طفلة تبيع الماء او المناديل في ساحة عامة او تقاطع طرق ثم تلوذ تحت ظل شجرة من هجير الظهيرة.
النظام السياسي أن تشعر أنه صديق تتكي عليه عندما تعثر ، وعكس ذلك ليس نظاماً بل عصابة متنكرة بعنوان مزيف: دولة وسلطة. عرض أقل