في #رمضان سنة **13 هـ** (الموافق نوفمبر 634م)، على ضفاف نهر #الفرات قرب منطقة تُعرف اليوم بـ”البويب” جنوب الكوفة في العراق، شهد التاريخ معركة حاسمة غيّرت مجرى الأحداث بين المسلمين والإمبراطورية الساسانية الفارسية.
كان **المثنى بن حارثة الشيباني** -رضي الله عنه- قد تعرض لهزيمة مريرة في **معركة الجسر** قبل أشهر قليلة، حيث قُتل قائد الجيش أبو عبيد الثقفي وخسر المسلمون آلافًا من الشهداء. انسحب المثنى غربي الفرات، يلملم جراحه ويُعيد تنظيم قواته بصبر وحكمة.
وصل الخبر إلى المدينة المنورة، فاهتز قلب **عمر بن الخطاب** رضي الله عنه. لم يتردد الخليفة؛ بل نادى في المسجد: “أيها الناس، انصروا إخوانكم في العراق!” فتدفقت المدد من القبائل كالسيل الجارف. جاء **جرير بن عبد الله البجلي** على رأس قبيلة بجيلة، ومعه وفود من قبائل الرباب وخثعم وربيعة وعامر وغيرها، حتى بلغ عدد المقاتلين المسلمين حوالي 8-12 ألف مقاتل (بعد المدد).
في الجهة الأخرى، جهز #الفرس جيشًا ضخمًا بقيادة **مهران بن باذان** (المعروف بمهران الهمداني)، ويُقدر عدده بين 60-150 ألفًا حسب الروايات، مع فيلة حربية وعتاد ثقيل.
اجتمع الجمعان على ضفتي الفرات. صاح مهران: “اختر أنتما من يعبر!” فرد المثنى بهدوء وثقة: “اعبروا أنتم إلينا”. فعبر الفرس الجسر بكامل قوتهم، واصطفوا في صفوف متراصة، وأمامهم الفيلة تهز الأرض.
اختار المثنى موقعًا استراتيجيًا ذكيًا يحصر الفرس في منطقة ضيقة بين النهر والبحيرة والجسر، فلا يمكنهم الانتشار بحرية. أمر أصحابه بالصمت التام، ثم أذن لهم بالإفطار في رمضان قائلًا: “كلوا لتتقووا على القتال، فإن الجهاد اليوم أولى”. طاف بين الصفوف يحث كل قبيلة باسمها، ويذكرهم بالجنة والصبر، فاتحدت القلوب تحت قيادته.
أعلن المثنى: “سأكبر ثلاث تكبيرات للتهيؤ، وعند الرابعة نهجم جميعًا”. لكن الفرس باغتوا المسلمين عند التكبيرة الأولى فاندفعوا. اشتد القتال، وسالت الدماء، ورُفع الغبار. أصيب بعض الصفوف، فأرسل المثنى رسولًا يصيح: “لا تفضحوا المسلمين!” فعاد التماسك.
طال النهار، وفي خضم الاشتباك أصيب **مسعود بن حارثة** (أخو المثنى) فاستشهد. صاح المثنى مطمئنًا: “لا يرعكم مصرع أخي، فمصارع خياركم هكذا في سبيل الله!”
ثم جاءت اللحظة الحاسمة: تقدم المسلمون كالأسود، فطعن **المنذر بن حسان** مهران طعنة قاتلة، وقطع **جرير بن عبد الله** رأسه ورفعه على رمح. انهار معنويات الفرس فجأة، وحاولوا الفرار نحو الجسر، لكن المثنى كان قد سبقهم وسيطر عليه وقطعه. فغرق من غرق، وقتل من قتل.
قُتل من الفرس أعداد هائلة،
كانت **معركة البويب** نظير **معركة #اليرموك** في الشام؛ انتصارًا مذهلاً أعاد الثقة للمسلمين، أثبت أن هزيمة الجسر كانت عثرة عابرة، وأذل رقاب الفرس، ومهد الطريق لفتح العراق كاملاً ومعركة القادسية الحاسمة لاحقًا.
بهذه المعركة أثبت المسلمون، بإيمانهم ووحدتهم وقيادة المثنى الحكيمة الشجاعة، أنهم لا يُهزمون، فبقيت صفحة مشرقة خالدة