
ليست سفارة بل مدينة أمريكية في قلب بغداد. وصفها الفيلسوف نعومي تشومسكي بالبنتاغون رقم 2 لانها مصممة لقيادة حرب اقليمية وليست سفارة وتمتد على مساحة تساوي مساحة الفاتيكان ــــــــــ 100 فدان ــــــــــــ وعبارة عن قاعدة عسكرية بمعدات حديثة.
وصفها كتاب “الحياة الإمبراطورية في مدينة الزمرد: داخل المنطقة الخضراء في العراق Imperial Life in the Emerald City ” للصحفي راجيف شاندراسيكاران نائب رئيس تحرير صحيفة واشنطن بوست مدينة أمريكية منفصلة عن المجتمع العراقي وتم عزل نخبة السياسة في العراق في هذا المجمع في حياة مرفهة على حساب بؤس الخدمات في المجتمع العراقي.
تضم مجمعات سكنية وانظمة مياه وملاعب وحانات ومطاعم وكازينوات ومسابح وتحصينات عسكرية وتلك رسالة واضحة امريكية في اقامة طويلة في العراق.
لماذا اطلق عليها تشومسكي صفة البنتاغون2؟ لأنها وظيفة عسكرية بغطاء دبلوماسي ويعمل فيها في الأول حوالي 11 الف مع المتعاقدين والشركات الأمنية ثم تقلص العدد الى 4 آلاف وهو رقم يفوق بكثير حجم بعثة دبلوماسية الى دولة داخل دولة.
هذه السفارة بهذا الحجم يؤسس لنظام الوصاية من خلف ستار ويقرر شكل النظام السياسي كما يحرم قرارات سيادية تمس الوجود الامريكي.
تضم السفارة خبراء من كل الاختصاصات: من النفط الى كيف تدار موارد الدولة في المصرف الامريكي الفيدرالي وهو من يتحكم بعوائد النفط . خبراء في الاقتصاد وفي الحرب الأهلية وفي الاغتيالات وفي التقاليد المحلية والطوائف والحرب النفسية .
السفارة تقوم في الخفاء لأن العقل العربي مشهدي شعاراتي يرى الحجوم الكبيرة ولا يرى المخفي، بالتحكم بعمل المؤسسات السيادية كالرئاسة ومجلس الوزراء والبرلمان الذي هو تجمع كشكولي من قوى متناحرة متعادية لكي لا يحدث أي اجماع وطني على قضايا مصيرية.
في حال طرح مشروع انهاء التواجد الامريكي ، يجري تحريك أحد الاطراف ضد الآخرى لتعطيل القرار وهكذا يتم التحكم بالسلطة وكذلك في حال تشكيل حكومة واختيار رئيس وزراء يتم تعطيل ذلك بخلق صراع سياسي.
في السفارة عناوين زائفة كغطاء كتدريب شرطة وجيش ومكافحة الارهاب والتنسيق الاستخباراتي وكلها عناوين مزيفة .
حسب تشومسكي إن السفارة ليست بعثة دبلوماسية بل مؤسسة استعمارية ضخمة تقوم للتمويه بصناعة طبقة سياسية عراقية من خلال دورات كتعلم اللغة الانكليزية ومحاضرات عن حقوق الانسان وبرامج للشباب والطلبة من خلال مراكز ثقافية وهي فرصة تجنيد جواسيس وخلق نخبة أو قوة ناعمة داخل المجتمع بتوجهات أمريكية.
قامت مخابرات الولايات المتحدة والموساد بالتعاون مع اجهزة استخبارات احزاب محلية بعملية” تنظيف” للشخصيات الوطنية الذين تسميهم وثيقة أمريكية ” أصحاب الرؤوس الحارة” وجرت تصفيات واسعة قبل الانسحاب الشكلي الامريكي عام 2011 شملت مثقفين وطنيين واطباء وأساتذة قانون وضباطاً ورجال اعلام وعلماء وأطيافا واسعة من الطبقة الوسطى وأفغنة العراق كإفغانستان بلا طبقة وسطى قائدة وتصحر سياسي وثقافي، وكانت تلك الاغتيالات تنسب الى منظمات ارهابية إما مخترقة أو تعمل تحت اليد لكي تفسح الطريق للنخب الفاسدة في ادارة البلاد والتحكم بها، كما حدث في الجزائر والمغرب وتونس قبل انسحاب الاستعمار الفرنسي.
في كانون الاول 2019 وفي جلسة استماع اكد السفير الامريكي السابق في العراق دوغلاس سيليمان خلال استضافته أمام لجنة الاستخبارات في مجلس النواب , التي خصصت جلسات غير علنية لمناقشة الاوضاع في العراق ، قال:
” لدينا طبقة سياسية جديدة مستعدة لحكم العراق واعادته الى سابق عهده”.
وهذه” الطبقة” متغلغلة في كل المؤسسات السيادية والحساسة وفي المجتمع المدني والاعلامي وهذا يتجاوز بكثير دورها كسفارة الى “حكومة ظل” تدير البلاد من السراديب والاقبية والمكاتب مع ترك القادة المحليين للتصرف في الهوامش والخطابات ومنحهم الهيبة أمام الشعب.
مع كل هذا هناك من يقول إن الواقع أمامه وهو يعرف ماذا يدور كما لو ان حقائق السياسة معروضة في البقاليات وهذه طبيعة العقل الاختزالي التبسيطي الذي يخلق صورة مصغرة مبسطة للواقع لكي يتجاوز لحظة مشاعر عدم الفهم. هناك خاصية في بعض البشر في انهم يعرفون كل شيء عن أي شيء وفي الحقيقة لا يعرفون شيئاً وهذا هو الجهل المتغطرس.
الواقع الحقيقي محجوب ومخفي وما يظهر هو سطح الواقع.
ــــــــــــ هذا الكتاب يروي تفاصيل مثيرة عن المنطقة الخضراء المغلقة وسط مجتمع محطم ومستقبل مجهول وعن حماقة الولايات المتحدة في السيطرة على بلد لا تعرف كيف تديره إلا من خلال وكلاء محليين فاسدين.