تقارير وتحقيقات

في قراءة الانسحاب الإماراتي من أوبك: خرائط القوة في الخليج، وفرصة إسرائيل التاريخية

كتب:هاني الكنيسي
لم يكن إعلان الإمارات انسحابها من منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) وتحالف “أوبك+” اعتبارًا من الأول من مايو 2026، مجرد قرار “إجرائي” يتعلق بحصص الإنتاج البترولي أو بإدارة أسواق الطاقة، بل حدثًا مفصليًا يُعيد تشكيل معادلات العرض والطلب عالميًا، ويُحدث صدعا استراتيجيا في بنية الخليج نفسه، وإشارةً صريحة إلى أن أبوظبي لم تعد ترى في صيغة “الانضباط الجماعي” التي فرضتها السعودية (أكبر مصدّري النفط في العالم) منذ 1960 سقفًا صالحًا لمصالحها الحالية ولطموحاتها الجيوسياسية التي “ليس لها سقف”.
ففي لحظة تاريخية تنصب فيها الأنظار على تداعيات “ملحمة” حصار مضيق هرمز في سياق صراع “عض الأصابع” بين واشنطن وطهران، وما يواكبها من ارتفاعات قياسية في أسعار الوقود، وفي وقتٍ تراجعت فيه بالفعل حصة “أوبك+” من الإنتاج العالمي إلى نحو 44% في مارس الماضي، تقرر الإمارات التي هي ثالث أكبر منتج في أوبك (بين 3.2 و3.5 مليون برميل يوميًا بما يعادل نحو 12% من إجمالي إنتاج المنظمة) الخروج بلا رجعة، بطريقة أشبه بـ”البصق” على الجيران.
من منظور اقتصادي بحت، قرأت المنظمات الدولية دوافع أبوظبي في إطار “التحرر من قيود الحصص”، خاصة في ظل فجوة متزايدة بين سقف إنتاجها المسموح به وقدرتها الفعلية التي ارتفعت بفضل برنامج استثماري ضخم بلغت قيمته 150 مليار دولار. فالإمارات تمتلك طاقة إنتاجية تقارب 4.85 مليون برميل يوميًا، مع طموح للوصول إلى 5 ملايين بحلول 2027، و 6 ملايين برميل على المدى الطويل، ما يرفع حصتها العالمية من 3–4% حاليًا إلى أكثر من 5%. ومن ثم فإن الانسحاب يمنحها حرية إنتاجية أكبر، وقدرة على تعظيم الأرباح خلال سنوات قليلة.
غير أن تداعيات القرار الإماراتي تتجاوز البعد الاقتصادي، كما يشير تحليل منصة ‘ذا كونفرسيشن’، الذي يعتبر أن خروج أبوظبي “يضرب في الصميم قدرة أوبك على ضبط السوق، ليس فقط بسبب حجم الإنتاج، بل بسبب فقدان الثقة في التنسيق الجماعي الذي شكّل لعقود جوهر قوة المنظمة”، فضلًا عن وثوب منتجين من خارج أوبك كالولايات المتحدة (أكثر من 13 مليون برميل يوميًا) والبرازيل على فرصة “ملء الفراغ” وتحصيل المكاسب بعيدًا عن هيمنة الخليج (السعودية).
لكن البُعد السياسي أو الجيوسياسي في قرار الانسحاب الإماراتي (بعد نحو 60 عامًا من عضوية أوبك)، هو الأسخن والأجدر بالقراءة. إذ لا يمكن فصله عن سياق أوسع من “الشقاق” المتصاعد مع السعودية، والذي بدأ بتباينات في الرؤى تجلّت للعيان خلال أزمتي 2020 و2021 حول سياسات خفض الإنتاج، حيث فضّلت الرياض الحفاظ على أسعار مرتفعة، بينما سعت أبوظبي إلى زيادة الإنتاج. ثم تفاقم بصورة صارخة على مدى العامين الأخيرين بسبب الخلاف بين البلدين في ملفات إقليمية، أبرزها اليمن (التي كادت أن تشهد مواجهةً مسلحة مباشرة في ديسمبر 2025 لولا الانسحاب التكتيكي الإماراتي)، والسودان التي تقف الدولتان على طرفي النقيض في دعم فرقاء حربه (وبالأخص مع استياء أبوظبي من النفوذ السعودي في إقناع ترمب بإعلان موقف عدائي من ميليشيا الدعم السريع)، وكذلك في الصومال والقرن الأفريقي. وربما كان اختلاف الرؤى بينهما بشأن “منهجية” التعامل مع إيران في سياق الحرب الأمريكية الإسرائيلية، عاملًا إضافيا في تعميق الشقاق.
وليس بعيدًا عن تكهنات رائجة عن احتمال انسحاب الإمارات “قريبًا” من مجلس التعاون الخليجي وربما من الجامعة العربية (قليلة الحيلة)، قرأ البعض قرار الانسحاب من أوبك كفصل جديد في “صراع الكواليس” بين الجارتين.
وفي ظل توجه إماراتي واضح للخروج من العباءة الخليجية العربية “التقليدية” وإعادة ترتيب أولويات “تحالفاتها الإقليمية”، تبرز تصريحات مسؤوليها عن “تقديم المصالح الوطنية”، مع إعطاء الأولوية لـ”شركاء وقفوا إلى جانبنا في أوقات الأزمات”.
وهنا لا يمكن أن تمر قراءة الخطوة الإماراتية الأخيرة دون الالتفات إلى وجهة نظر “الحليف الإسرائيلي”.
ففي تحليل كاشف نشرته ‘يديعوت أحرونوت’ اليوم بعنوان “الإمارات تنفصل عن أوبك – على إسرائيل ألا تضيع هذه الفرصة”، ينظر نائب رئيس تحرير الصحيفة العبرية إلى قرار الانسحاب من أوبك باعتباره “زلزالًا استراتيجيًا” يتجاوز النفط إلى إعادة رسم توازنات القوة في الخليج. فيكتب صراحةً: “أبوظبي لم تكتفِ بمغادرة المنظمة، بل أبلغت الرياض أن هيمنتها لم تعد أمرًا مفروغًا منه”.
من وجهة النظر الإسرائيلية، تفتح الخطوة الإماراتية “نافذة فرص ومكاسب متعددة”. أولها في مجال الطاقة، حيث يمكن لإسرائيل أن تعزز شراكتها مع حليفتها “الإبراهيمية” في مجالات الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية، وتأمين الموانئ وخطوط الأنابيب، خاصة في ظل تصاعد تهديدات الطائرات المسيّرة والحروب غير التقليدية. كما يُنظر إلى الخطوة كفرصة لتعميق التعاون في مجالات التكنولوجيا وتحلية المياه وتخزين الطاقة.
ثانيًا، على المستوى الجيوسياسي، ترى تل أبيب أن تآكل الانضباط داخل أوبك يُضعف أحد أدوات الضغط التقليدية في المنطقة، ويفتح المجال أمام تحالفات مرنة خارج الأطر الكلاسيكية. فالإمارات، بحسب هذا المنظور، “أظهرت استعدادها لكسر الأطر القديمة عندما لا تعود تخدم مصالحها”، وهو ما يمكن البناء عليه لتطوير شراكة استراتيجية تتجاوز رمزية “اتفاقيات أبراهام”.
أما ثالثًا، فيتعلق بإعادة تشكيل “ميزان القوى الإقليمي”. إذ يرى الكاتب أن التنافس السعودي-الإماراتي، الذي كان يُدار خلف الكواليس، خرج إلى العلن، وهو “ما يمنح إسرائيل مساحة أوسع للمناورة وبناء تحالفات متعددة الأطراف في منطقة تشهد سيولة غير مسبوقة في التحولات الجيوسياسية”.
والمعنى في “بطن” الكاتب.. أو في أي من أعضاء جسده الصهيوني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى