
تمر مصر في السنوات الأخيرة بمنعطف تاريخي، لم يعد التفاوت الطبقي فيه مجرد فروق في الدخول، بل تحول إلى “انفصال بنيوي” أعاد رسم خريطة الوطن والوطنية. فبينما كان نظام مبارك يحافظ على شعرة معاوية مع طبقة وسطى كانت تمثل صمام أمان المجتمع، أجهزت السياسات الحالية على هذا الصمام، لتخلق واقعاً منقسماً بين “Egypt” الفارهة المعزولة، و”مصر” التي ترزح تحت وطأة الحاجة والديون.
أولاً: تبخر الطبقة الوسطى وصعود “اقتصاد الجباية”
لقد تلاشت الفوارق المتدرجة لصالح انقسام حاد؛ طبقة محدودة جداً تزداد ثراءً وتعيش في تجمعات سكنية فاخرة بأسعار عالمية، وأغلبية ساحقة انزحقت نحو خط الفقر. هذا التحول هو النتيجة المباشرة لسياسات مالية فاشلة اعتمدت على “الاستدانة المفرطة” لسداد ديون قديمة وتمويل مشاريع “بهرجة” لا تخدم الإنتاج. ومع السقوط الحر للجنيه والارتفاع المتوحش للأسعار، استعاضت الحكومة عن التنمية الحقيقية بفرض رسوم وضرائب وأتاوات وخفض للدعم المدعي مبالغ فيها، استنزفت جيوب المواطنين لصالح سداد فوائد القروض التي تلتهم معظم ميزانية الدولة.
ثانياً: التحالف المشبوه
لم يتوقف الأمر عند سوء الإدارة، بل امتد لسياسة “التحيز الفج” لصالح طبقة من رجال المال الذين يسيئون استغلال الأوضاع الصعبة تحت حماية السلطة. وبالتوازي، تم إقحام من لا دور له في عمليات استغلال ممنهجة للمجال الاقتصادي، من خلال منافسة غير عادلة تفتقر للشفافية وتتمتع بإعفاءات سيادية، مما أدى إلى خنق القطاع الخاص الحقيقي وتحويل الاقتصاد الوطني إلى “إقطاعيات” تخدم مراكز القوى بدلاً من الشعب.
ثالثاً: هندسة الانسداد وتأميم السياسة
هذه العشوائية الاقتصادية تطلبت بالضرورة “حماية سياسية” مطلقة، فجاء انسداد الحياة السياسية كأداة لا غنى عنها. تم وأد أي فرصة لتداول السلطة، وهندسة البرلمان ليكون “سكرتارية” تنفذ أوامر الحكومة وتشرعن القوانين الجائرة.
ولعل التعطيل المتعمد للانتخابات المحلية هو أكبر دليل على رعب السلطة من تسلل أي “عناصر حرة” قد تفتح ملفات الفساد في القرى والمدن أو تخلق قنوات تواصل حقيقية مع الناس بعيداً عن سيطرة المركز.
رابعاً: االوطنية الزائفة
أمام اتساع الفجوة بين الواقع المرير والدعاية اللامعة، لجأ النظام إلى “تزييف الوعي” الممنهج. فتم تأميم الإعلام وتوجيهه لحجب الحقيقة، واستخدام “اللجان الإلكترونية” لاحتلال الفضاء الرقمي بعد الفشل في إغلاقه.
هذه الآلة تعمل ليل نهار على تخليق وجهة نظر تدعي “الوطنية” وتخوّن كل معارض، محاولةً إقناع المواطن المعذب بأن جوعه هو ثمن “الاستقرار”، وأن أنات الألم هي “مؤامرة خارجية”.
خامساً: التخبط والإنكار.. الهروب إلى الهاوية
رغم كل محاولات التجميل، يشي الواقع بأن النظام قد “أُسقط في يده” وأصبح يعاني من تخبط واضح في قراراته المتناقضة. فالإنكار المستمر للأزمة، والادعاء بأن الشعب يتحمل “بمحبة” من أجل الوطن، هو كلام يكرره النظام بينما الشعب يتعذب في صمت. إن المصالح المرتبطة ببقاء الوضع الحالي أصبحت أقوى من أي رغبة في الإصلاح لدى الدوائر الحاكمة، مما يجعل “الهروب إلى الأمام” هو الخيار الوحيد لنظام يرفض الاعتراف بأن سياساته قد وصلت إلى طريق مسدود.
الخلاصة:
إن مصر اليوم لا تعاني فقط من أزمة اقتصادية، بل من أزمة “عدالة ورشاد”. فبينما تتجمل واجهة الدولة بالمدن الجديدة، تنخر الأزمة في عظام الشعب الذي فقد مدخراته وكلمته وكرامته المعيشية. إن الاستمرار في مقايضة “الأمن بالجوع” و”السكوت بالاستقرار” هو مراهنة خاسرة، لأن التاريخ يثبت أن الجدران العالية لـ “Egypt” لن تحمي النخبة من غضب “مصر” الحقيقية إذا ما انكسر حاجز الصمت.