رؤي ومقالات

د. أسامة حمدي يكتب :انتهى الدرس.. وشكرًا للدانة!

منذ ٧٠ عامًا، سقطت دانة ضخمة بجوار منزلنا بعد ميلادي بأيام في أرض مزروعة، ولستر الله لم تنفجر. العام ١٩٥٦، والزعيم الثائر عبد الناصر أمم قناة السويس قبلها بعدة أشهر. قامت الدنيا ولم تقعد في جدال بشأن حق مصر (أم العالم) في السيطرة على هذا المجرى الملاحي المهم الذي هو الحبل السري للإمبراطورية البريطانية؟ ورغم تعهد عبد الناصر باستمرار الملاحة، واستمرار مضمون اتفاق القسطنطينية الذي أبرم عام ١٨٨٨ بشأن حرية الملاحة للجميع، فإن دول أوروبا الكبرى فقدت عقلها، وتوقعت أن قرصنة عبد الناصر لها عواقبها الوخيمة، وتشكل تهديدًا فوريًا لها. انعقد مؤتمر لندن بحضور دبلوماسيي ٢٢ دولة لحل المشكلة، ورفض عبد الناصر الذهاب متمسكًا بحق بلاده في القناة التي تمر في أرض بلادة والتي حفرها أجدادنا بالسُخرة. أبدى الإنجليز والفرنسيون تشددًا في النقاش، وقالت الولايات المتحدة على لسان وزير خارجيتها جون فوستر دالاس: إن قلب النظام المصري أو تدميره، أو الحصول على منافع منه بالتهديد بذلك، ليس انتصارًا على الإطلاق، ولا يجلب المجد، واقترح إقامة مجلس دولي لادارة القناة والوقاية من التهديدات، وأيدته السويد وبعض الدول. عندها عقد عبد الناصر مؤتمرًا صحفيًّا في قاعة مجلس النواب الذي لم يستخدم منذ ١٩٥٢، وقال: إن المؤتمر لا يعدو كونه عملًا استعماريًّا جماعيًّا، فتحدى بذلك العالم أجمع، فكان الغزو الكاسح لمصر والذي دُبّر بليل.
احتُلت سيناء في أيام معدودة، وتم هزيمة جيشنا الذي لم يتعدى ٤٠ الف جندي، وسقط ٥٠٠٠ جندي في الأسر، ودُمرت واحتلت مدينة بورسعيد، ورغم حرب الشوارع من المتطوعين فإن القوة الغاشمة للإمبراطورية البريطانية وحليفاتها لم تكسر إرادة الشعب الذي التف حول زعيمه في أخطر وقت في تاريخنا الحديث، وغنى “بلدي ونور الحق يسطع في يدي… والله أكبر فوق كيد المعتدي”. أصبح الطريق إلى القاهرة ممهدًا، وكان اعتقاد المعتدين أن النظام المصري الوليد سينهار سريعًا، وأن الرئيس الذي لم يتجاوز عمره الثامنة والثلاثين سيستسلم فورًا. انتصر فعلًا الأعداء عسكريًّا، فلا مجال للمقارنة بين القوتين، لكن مصر لجأت إلى حيلة عبقرية؛ حيث أغرقت -عن عمد- عدة سفن قديمة لتسد بها القناة وهي تعرف أنها تقطع بذلك شريان الحياة البترولي عن الإمبراطورية المتغطرسة بقوتها في مدخل الشتاء. ارتفعت أسعار الطاقة، وانهار اقتصاد بريطانيا، وقامت المظاهرات في لندن تطالب بوقف الحرب وإقالة إيدن، رئيس الوزراء المغرور، الذي لم يحسب ردود فعله المتهورة بدقة، فقد كان يظنها حربًا سريعة يحقق فيها أهدافه بإسقاط النظام، والسيطرة على مضيق القناة الحيوي. استنجدت بريطانيا بالولايات المتحدة لتخرجها من ضائقتها المالية، ورفضت الأخيرة المساعدة قبل خروج المعتدين أولًا. انسحب الجميع، وسلمت الأراضي التي احتلوها للقوات الدولية التي حضرت سريعًا.
انهارت الإمبراطورية التي كانت لا تغرب عنها الشمس على نحو درامي، وخرجت مصر منتصرة سياسيًّا، وأصبحت القناة ملكًا لها دون منازع بسبب إرادة شعبها الذي صمد ولم ينكسر، وقيادتها التي حفظت كرامتها ولم تتنازل أو تفاوض في حق من حقوقها أمام جحافل العدوان الغاشم. غنى الشعب مع أم كلثوم “والله زمان يا سلاحي”، التي أصبحت نشيدنا القومي.
انتهى هنا درس التاريخ الهام، ولكن كان علىّ أن أعيده بعد ٧٠ عامًا، فشكرًا للدانة التي لم تحطم منزلي!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى