رؤي ومقالات

د.وليد عبد الحي يكتب :السؤال الذي يَفِرُ منه الجميع

منذ ان فاز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الامريكية عام 2016 ، أجمعت كافة المؤسسات الامريكية –دون اي استثناء- على اقرار بالتدخل الروسي في الانتخابات لصالح ترامب، وهنا نطرح السؤال الغائب عن كل التحليلات ،وهو لماذا تدخلت روسيا (التي يحكمها رجل قضى حياته في التجسس ) لصالح ترامب؟ وما المقابل لهذا التدخل؟ ان غياب الاجابة هو دليل على “أحقية السؤال”..فدعوني اوضح الامر ثم اعود مرة اخرى للسؤال :
اولا: مؤسسات التحقيق : يمكن تقسيم المؤسسات التي حققت في التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الامريكية (وفاز فيها ترامب-2016) الى ثلاثة اشكال:
أ‌- مؤسسات استخبارية امريكية تتمثل في وكالة الاستخبارات الامريكية(CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي(( FBI ووكالة الامن القومي(NSA )، وتم كل ذلك تحت اشراف مكتب مدير الاستخبارات الوطنية(ODNI)
ب‌- مؤسسات قضائية او تنفيذية ويبرز منها جهتان هما التحقيقات الفيدرالية تحت عنوان (Crossfire Hurricane) وتحقيق المدعي العام الامريكي روبرت مولر الذي تم تصنيفه (Special Counsel )
ت‌- تحقيقات الكونجرس ، وشملت التحقيقات عدة لجان متخصصة، واستغرقت هذه التحقيقات اطول فترة قياسا لبقية التحقيقات ، وتتمثل في لجنة الاستخبارات في مجلس النواب ،ولجان رقابية وقضائية تابعة للمجلس ثم لجنة الشيوخ (استغرق تحقيقها 3 سنوات واستجوب مئات الشهود ،وانتهى الى اكثر من 2 مليون وثيقة).
ثانيا: نتائج التحقيق : ما الذي توصلت له هذه اللجان التي قاربت ثلاث عشرة مؤسسة رسمية وخاصة ؟
كانت النتائج لكل هذه المؤسسات هو الاجماع ودون اي استثناء على ان روسيا تدخلت في الانتخابات بشكل مباشر ، وان التدخل تم بأمر من الرئيس بوتين ،وساهمت فيه مؤسسات روسية عديدة ، فتقرير السي آي ايه (المخابرات المركزية) انتهى الى ان روسيا كانت مهتمة جدا “بفوز ترامب” وعملت على تحقيق هذا الهدف .
كان التباين بين التقارير حول نقطة محددة وهي توصيف علاقة ترامب بروسيا :هل ترامب عميل لروسيا(Agent) ام انه ذُخر (Asset) ، وهنا كان النقاش حول مؤشرات كل من الاتهامين وليس حول وجود التدخل ،وتشير المناقشات الى ان كل طرف كان يقدم شواهد تعزز فرضيته :هل ترامب عميل ام ذخر ؟ اي ان ارتباط ترامب بروسيا لم يعد نقطة نقاش،لكن النقاش هو طبيعة الارتباط فقط.
ثالثا: اشكال التدخل الروسي: تنوعت اشكال التدخل الروسي طبقا لنتائج التحقيقات ، فكل مؤسسة من مؤسسات التحقيق الامريكية ركزت على انماط تدخل معينة ، ويمكن تحديد اشكال التدخل في الآتي:
1- الخرق السيبراني: ويتمثل في قيام الروس بخرق خوادم(Servers) الحزب الديمقراطي وحملة المرشحة الديمقراطية للرئاسية وهي هيلاري كلينتون. كما تبين ان الروس سرقوا آلاف الرسائل الالكترونية وتم نشرها لاحقا، وتؤكد التحقيقات ان الخرق تم من خلال دور واضح لمجموعتين روسيتين تتبعان الاستخبارات العسكرية الروسية وهما (مجموعة APT28 و مجموعة APT29)،وتم ذلك من خلال تحليل البصمة الرقمية( Digital Forensics). كما ان الروس عملوا على توقيت تداخلاتهم مع تطور وقائع معينة خلال الحملات الانتخابية ،وتم التيقن من ذلك من خلال تتبع الخوادم وعناوين ال (IP).
2- التدخل الاعلامي وتسريب الوثائق: بدأت الجهات الروسية بنشر وثائق ويكيليكس التي تعزز الهدف الروسي (عن هيلاري كلينتون او خصوم ترامب)، وتم ايجاد حسابات وهمية ،حيث كشفت التحقيقات ان الحساب الألكتروني المسمى ” “Guccifer 2.0 كان لخدمة الهدف الروسي. وكشفت التحقيقات ان تحليل مسار البيانات (Data Routing)(بدءا من الاختراق الى النشر) كان يتزامن مع لحظات ذات شأن في مسار الانتخابات مثل تزامن النشر للبيانات الحساسة مع انعقاد مؤتمر الحزب الديمقراطي ،وهنا تم توجيه اتهامات رسمية لاشخاص محددين في المخابرات الروسية ،وهي واردة في تقرير مولر.
3- العمل على التأثير على توجهات الرأي العام الامريكي، فقد كشف نشاط وكالة ابحاث الانترنت (Internet Research Agency) آلاف الحسابات المزيفة على كافة وسائل التواصل الاجتماعي،وهي حسابات تقف وراءها جهات روسية ذات طبيعة امنية ، مع تركيز هذه الحسابات على تعميق الانقسامات العرقية والسياسية داخل المجتمع الامريكي ،والعمل على احباط انصار الحزب الديمقراطي من التوجه للادلاء باصواتهم، ووصف تقرير لجنة الشيوخ الامريكية بان ذلك شكل حملة نفسية واسعة وذات تأثير ملحوظ.
4- من بين الادلة الهامة التي استندت لها هذه المؤسسات في بناء استنتاجاتها الادلة ذات الطبيعة المخابراتية ( اي التي ترتبط بمصطلح العميل Agent)، ويشير مدير الاستخبارات الوطنية الامريكية الى انه تمكن من اعتراض اتصالات (SIGNIT) بين مسؤولين روس يتباحثون في مساندة ترامب ،واستند التقرير ايضا – لتأكيد استنتاجاته – الى مصادر بشرية(HUMINT) داخل المخابرات الروسية ، وكل ذلك جعل التقرير يصل الى استنتاجه المركزي ،ان الحملة الروسية كانت تسير وفق توجيهات مباشرة من الرئيس بوتين.
5- شواهد ميدانية وتنفيذية مثل توجيه الاتهامات لاشخاص محددين مثل اتهام 12 من ضباط المخابرات العسكرية الروسية و13 شخصا روسيا من المرتبطين بمصالح مالية او استخبارية روسية او شركات لها نفس الصلات في روسيا. وكان التركيز وفقا للتقارير الامريكية على تتبع تحويلات مالية ومراسلات داخلية بين المتهمين الروس بخصوص موضوع مساندة ترامب.
6- اجراء لقاءات مع اشخاص لهم صلة بترامب او حملته الانتخابية ، وقام بهذه الاتصالات افراد لهم صلة بالدوائر الامنية والسياسية الروسية، وتم ذكر وقائع محددة مثل اجتماع برج ترامب(Trump Tower) وتوثيق اتصالات بوسطاء روس او كشف رسائل البريد الالكتروني لهؤلاء .
الخلاصة:
اعود لسؤالي مرة اخرى ، مع بعض التوضيحات:
اولا: لماذا اختار الروس ترامب ليدعموه ليصل الى ما وصل له ، فهل هو هدف سهل(Soft target) في ظل ما تم جمعه من معلومات عن انحطاطه الاخلاقي ومرضه النرجسي المتحكم فيه …الخ من اوصاف شخصية ، وهو ما اكدته كتب منشورة لضباط مخابرات روسية سابقين عن تجنيد ترامب منذ 1987(وقد سبق لي ان عرضت تفاصيل هذه الكتب والتقارير على صفحتي).
ثانيا: عند التدقيق في كل تصرفات ترامب السياسية نجد انها تنتهي الى تحقيق مصالح روسية سياسية واقتصادية واعلامية بل وعسكرية( تفكيك التحالف الاطلسي، رفع اسعار الوقود لصالح روسيا، تهميش القضية الاوكرانية، تشوية صورة الولايات المتحدة من خلال الصورة الهوجاء التي قدمها ترامب للعالم ، تعميق الانقسامات في المجتمع والادارة الامريكية، القيام باعلانات وبيانات سياسية تثير الخلافات بين امريكا ومعظم دول العالم من خلال مواقف فردية(تهكمه على علاقة الرئيس الفرنسي بزوجته، او الفاظه تجاه ولي العهد السعودي او اثارة قضايا غير مطروحة مثل السيطرة على غرينلاند او الاستيلاء على بترول ايران او سوقيته في التعبير عن مواقف مع الصحافيين او الرؤساء…الخ).
ثالثا: الملاحظ ان ترامب اقصى او همش كل من ساهم في التحقيقات التي اشرنا لها.
هنا أعود لسؤالي: هل ترامب عميل أم ذخر ام غبي؟ ولماذا هذا الميدان لا تناقشه الفضائيات؟ هنا خذوا ما شئتم من “ربما”، لكن من يجيب على سؤالي المُغيب؟ وهل سيقف ترامب لاحقا امام مساءلة قانونية (Impeachment)..؟ فلماذا اختار الروس ترامب لمساندته؟وهل كل هذه المؤسسات الامريكية كانت مُجمعة على الخطأ ؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى