
لماذا يهرب العقائدي في اليسار واليمين من الحوار الفكري والثقافي والأدبي الى الشخصنة وفي تحويل الحوار الفكري الى نقد السلوك كما يتصرف صاحب شركة أو معمل أو شيخ في استراتيجية هروب دفاعية من بنية العقل الملقن والمخصي والمدجن تغطي عجزه المعرفي؟
عملت في صحف المعارضة منذ تسعينات القرن الماضي وكتبت في منابر لكن لم يحدث مرة واحدة أن دخلت في حوار مع شخص تعرض الى مقال أو رواية أو نص أو عبارة وكنت بكل يقين أعرف السبب كما يعرف هؤلاء السبب أيضاً في ان المخلوقات الملقنة عاجزة معرفياً عن الحوار لأن الايديولوجيا ليست وجهة نظر بل عقيدة وهوية غير قابلة للنقاش.
كما حددها الفيلسوف بول ريكور في انها تحذف وتمحو أو الكل أو لا شيء أو الدمج ولا خيارات أخرى ولا مساحات رمادية ولا تسويات ولا أنصاف حلول كما يحدث في صراع العصابات لأنها تحجز الزمان وتحجز المكان. لا تتجاور بسلام عصابة مع اخرى في شارع أو حي أو سجن أو مقهى أبداً.
الببغاء الملقن سنوات يعتبر الحوار الفكري فخاً نصب له لذلك يهرب الى الشخصنة لاحراج الخصم الملتزم باخلاق التخاصم وبذلك يفتح باب طوارئ للهروب لأنه مؤمن أن أفكاره هي كيانه وشرفه وأخلاقه، فكيف يتحاور حولها؟ هكذا لقنوه وروضوه مبكراً في أن كل كيانه متعلق بالدفاع ـــــــــــــ لا مناقشة ـــــــ عن هذه الأفكار.
الآيديولوجيا تقسم العالم الى ثنائية الصراع بين نحن وهم ولا ترى في المحاور شريكاً مختلفاً في قضية بل تراه عدواً يجب محوه أو سحقه أو دمجه وعلى ضوء هذا التصنيف يصبح حتى اغتياله الجسدي ممكناً بعد أن تحول الخصم المختلف الى ” شيء” وعادة لا أحد يتعاطف مع كسر شيء أو تفكيك ماكنة أو آلة أو باب او هاتف.
الخوف من الحوار الفكري ليس مجرد مصادفة بل وسيلة بقاء وبما أن المؤدلج يستطيع الخوض في السياسة اليومية بلغة انشائية مدرسية صحفية عامة ويفشل في نقاش ثقافي أو معرفي، فمن الأفضل له نقل النقاش الى معركة شخصية لأن الملقن لا يدافع عن نفسه فحسب بل عن الاتباع أو الرفاق أو المريدين.
حارس القطيع شرطي ايديولوجي يحمي الاتباع من المختلفين والافكار الدخيلة وفي عالم هذا الببغاء يعتبر الحوار الفكري ثغرة يجب أن تسد بلغة الحزم والجزم والقطع والنهي والسب والشخصنة ـــــــــــــــــ مع ان لغة الفكر احتمالية ــــــــــــــ لكي لا يتسلل منها العدو والحارس لا يحاور بل يأمر ويفرض كما انه يمارس الوصاية على الجماعة القاصرة عن الوعي حتى في منفى بعد أن سرق وظيفة ملائكة الكتفين في تسجيل الصالح والطالح وتولى هو الدور نفسه.
ذهنية الوصاية عرض مرضي لوهم امتلاك الحقيقة والاستعلاء وهو مرض تشكل عبر مسار نفسي وسياسي واخلاقي طويل من خلال الأسرة والمدرسة والدولة والحزب وهو مروض ومدجن من الطفولة على هذه الأوهام المرضية ويمارسها حتى في منفى لأن التغيير ليس مجرد جواز سفر أو تذكرة طيران أو لجوء سياسي بل رحلة شاقة داخل الذات وصراع معها بمعايير وثقافة وقناعات جديدة.
بهذه الطريقة يرسل شفرة واضحة للاتباع ان هذا الشخص عدو والتعامل معه على أساس هذا المنطق وبالطبع هؤلاء لا يعرفون وسيلة أخرى للحوار غير الشخصنة التي تعمل كحماية وجدران عزل للوصول الى حقيقة أو في الأقل للتفاهم.
هذا الصنف عندما يترك الفكرة ويهاجم الشخص يعلن عن هزيمته الثقافية وعجزه لان مناقشة الفكرة تتطلب كفاءة وثقافة ومعرفة في حين لا تتطلب مهاجمة الشخص سوى ضحالة اخلاقية ولغة سوقية بقشرة سياسية تتداخل فيها لغة السب والشتم تداخل انياب الكلب.
بل غالباً ما يجري حذف السبب الحقيقي للنقاش والتركيز على رد الفعل او النتيجة على طريقة ” لا تقربوا الصلاة” وحذف الباقي وهي وسيلة خداع وتحايل تفتقد لشرف واخلاقيات الخصومة وهي خداع للجمهور واحتقار له.
الاختلاف البناء ليس في المحتوى بل في الشكل وشكل الاختلاف ، اللغة المهذبة الواضحة، لا تقل أهمية عن المحتوى بل تتفوق عليه لأنها تفصل بين الموقف الشخصي وبين كرامة الانسان. لكن كرامة الانسان تحتاج الى شخص يعرف معنى الكرامة.
كان العرب القدماء قد اعتبروا “الفجور عند الخصومة” من علامات النفاق. في حالات تكون أفضل نتيجة في الحوار هو اللقاء منتصف الطريق والتعرف على محاور ملتزم بشرف التخاصم وهذه هدية ثمينة أهم من الاختلاف على قضية قد تحتمل الخطأ وتحتمل الصواب.
أما عن المتباكين عن حرية التعبير وعن الديمقراطية خلال حوارنا معهم، فهؤلاء نحتفظ لهم بسجل خاص بالتفاصيل والاسماء والمواقف والتواريخ عن الاسباب الحقيقية لموقفنا الصارم والحاسم معهم وهي أسباب يتهربون من ذكرها فليس باسم حرية التعبير والديمقراطية يسمح للطائفي والعنصري والتافه قول ما يريد وهذا لا يحدث حتى في دول مفرطة في الحرية الفردية وتعليق عنصري أو مسيء او محرض يقود الى محاكمة وسجن ونحن نعيش في قلب دولة تطرفت في الحقوق الفردية لكنها لا تسمح بالاساءة والتحقير والتحريض على العنف.
غالبية الذين اختلفنا معهم، مثلاً، على موضوع رفض الاحتلال ورفض الدكتاتورية قبل الحرب عام 2003 ورفضنا المشاركة في حملة تواقيع تطالب باحتلال العراق في سابقة لم تحدث في التاريخ لأن دور المثقف هو التحذير من مشروع خراب وهيمنة، عندما عادوا للعراق اخترعوا أسباباً وهمية للاختلاف وشخصنته للتهرب من المسؤولية وصناعة قصة مختلفة خاصة وان الناس كانوا في قطيعة اعلامية عن العالم قبل الحرب ولا يعرفون تفاصيل ما جرى.
هذا الاسلوب هو التلاعب بعقول الاخرين او ما يعرف بالكازلايتنك الاضاء الغازية Gaslighting حذف السبب الحقيقي واعادة صياغة الواقع بطرق التحايل وتحويل الضحية الى متهم من خلال الانتقاء وعزل السياق وتقديم قصة مكيفة مبسطة مزورة عن الاختلاف لاظهار الخصم في صورة المتشنج أو العصابي بلا أسباب حقيقية كشخص يتشاجر مع الهواء لأنه يعاني من اضطرابات نفسية لشيطنته وفي الوجه الاخر الاعلاء من شأن الذات بطرق التفافية واخفاء علاقة الأمر باختلاف حول الحرب والسلام وسقوط اخلاقي لنخبة تدعو أشرس نظم العالم لسرقة ونهب بلدها بذريعة طاغية أرعن.
عودة المخرج الايراني الكبير المعارض جعفر بناهي إلى بلاده في ظروف الحرب رغم الحكم الصادر بسجنه مثال نظيف عن موقف المثقف الذي يفصل بين الموقف من النظام وبين الموقف من الارض. فاز فيلمه بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي، كما كان مرشحاً لنيل جائزة أوسكار في فئة الأفلام الدولية.
مغالطة المنحدر الاخلاقي ــــــــــــ أو المنحدر الزلق Slippery Slope ــــــــــــــ ونقل الصراع نحو وجهة مزيفة والتركيز على رد الفعل وليس السبب الحقيقي هو تحايل يفتقد الى شرف الخصومة واخلاقيات الاختلاف وهو مصنف من أفعال النصب والاحتيال والهروب من الحقيقة وتزويرها وسلوك جبان وتشتيت انتباه الاخرين باحتمال هناك سردية مختلفة وهذا التلفيق هو السيطرة على السرد وتوجيه الاحداث في طريق معاكس للتضليل.
ليس هناك أفضل من عبارة الامام الشافعي في وصف شرف الخصومة:”ما جادلتُ أحداً إلا وتمنيتُ أن يُظهر الله الحق على لسانه.”.