
إن من أشد أنواع الظلم في هذه الحياة هو الظلم العبثي؛
ذلك الظلم الذي لا تحركه حاجة، ولا تبرره ضرورة، ولا يخفف من قسوته سبب.
هو ظلم يولد من فراغ الضمير، ومن قسوة القلب حين يتجرد من إنسانيته، فيتحول الإنسان فيه إلى أداة عبث بمشاعر الآخرين ومصائرهم.
الظلم العبثي ليس سرقة حقّ فحسب، ولا اعتداء عابرا، بل هو انتهاك عميق لكرامة الإنسان، حين يصبح الألم وسيلة تسلية، أو حين تكسر القلوب بلا سبب، وتهدم الأرواح بلا رحمة.
هو أن يعبث إنسان بمشاعر إنسان آخر، فيمنحه الأمل ثم يسلبه، ويقربه ثم يدفعه نحو الخذلان، وكأن المشاعر لعبة، وكأن القلوب لا تنزف.
وفي زوايا هذا العالم، حيث لا تسمع إلا صرخات المساكين، تتجلى أبشع صور هذا الظلم.
هناك، حيث يسحق الضعفاء تحت وطأة القسوة، ويتركون لمصير لم يختاروه، تتردد أنين الأرواح التي لم تجد من ينصفها، ولا من يمد لها يد الرحمة.
صرخات صامتة، لكنها تمزق السماء، وتكشف عن وجع لا يرى، لكنه يحس في أعماق الإنسانية.
إن المساكين لا يطلبون المستحيل، ولا يسعون إلى ما ليس لهم، بل كل ما يرجونه هو عدل بسيط، ورحمة تحفظ كرامتهم، وقلوب لا تعبث بأوجاعهم.
لكن الظلم العبثي يحرمهم حتى من هذا الحد الأدنى، فيحول حياتهم إلى معاناة مستمرة، ويجعل من الألم رفيقا دائما لهم.
والأشد إيلاما أن هذا الظلم قد يمارس بلا شعور بالذنب، وكأن القسوة أصبحت أمرا اعتياديا، وكأن إنسانية الإنسان لم تعد تعنيه.
وهنا تكمن الكارثة؛ حين يصبح الظلم فعلا عاديا، وتصبح صرخات المساكين مجرد ضجيج لا يلتفت إليه أحد.
إن العالم لا يقاس بقوة الأقوياء، بل بمدى إنصافه للضعفاء، ولا تعرف إنسانية الإنسان بما يملك، بل بما يمنحه من رحمة وعدل. فليت كل من يعبث بمصائر الآخرين يدرك أن لكل صرخة أثرا، ولكل دمعة حسابا، وأن الظلم، مهما بدا عابرا، يترك في الأرواح ندوبا لا تزول.
فكونوا رحمة، لا عبثا…
وعدلا، لا ظلما…
فإن صرخات المساكين، وإن خفتت، لا تموت.