
كتب البير كامو” نحن جميعاً حالات خاصة ” لأن مجتمع الاستنساخ قمعي يخلق غرباء ومنفيين داخل بيوتهم وأوطانهم ويؤمن بوحدة الرأي البوليسية التي لا تتوفر إلا في المقابر وغرف التشريح والسجون لان الوحدة في التنوع والتعدد والثراء والحق في الاختلاف والفردية والتمايز.
الاعتراف بالخصوصية ذروة الوعي والنضج الانساني واحترام المسافات ومن هذه المساحة المقدسة يولد الابداع والفكر والفن والحياة الطبيعية.
ظاهرة الوصاية والتعقب ومراقبة الحياة الخاصة والفردية انتقلت من الوطن الى المنفي كالوباء وفي دول وقوانين وثقافة مختلفة لان التغيير ليس جواز سفر ولا تذكرة طيران بل رحلة شاقة داخل الذات المصنّعة وفي صراع معها لبناء ذات معافاة وطبيعية وهي مهمة شاقة لا يستطيع العقل المصاب والمعطوب القيام بها لكنه يلجأ كملاذ آمن الى مخزونه من الافكار البالية والقناعات والمعايير المستهلكة كعملة منتهية الصلاحية في مكان مختلف لذلك يعاني هؤلاء من غربتين: غربة عن الذات وغربة المكان لذلك يتجمعون في خلق بيئة مشابهة للبيئة القديمة كجماعة عائمة تعيش على حافة المجتمع الجديد.
من هنا أهمية دراسات المنفى لأنها مرآة تعكس ما في الوطن وليست مساحة معزولة وكما قال أدوارد سعيد :
” في المنفى تحدث” الرؤية المزدوجة” لأن الشخص لا يرى الوطن من الداخل فقط بل من الخارج” وتكون الصورة أوضح ومكتملة.
في هذه الحالة تسقط الفضائل والصفات والهالات الوهمية القديمة التي تمنحها الذاكرة بدافع الحنين ويتحول الوطن الى نص يحتاج الى قراءة وتفكيك بدل ان يكون واقعا يعاش بلا سؤال كقدر أو كثوب جاهز مدى الحياة.
رائع أن تكون عراقياً لكن من الأفضل ألا تكون خاصة في هذا الزمن الذي نعيشه بين تاريخين متناقضين : تاريخ حضارة عريقة وتاريخ واقع من الصعب جدا فهم انه استمرار لذلك التاريخ المشرق. الى من تنتمي؟
لم تعد الروابط القديمة تحكمنا بل بعضها تشوه والاخر اندثر وتلاشت هويات وبزغت أخرى واختفت معايير وولدت أخرى وحتى الواقع نفسه مات لأن الواقع كائن حي، فكيف تريدنا أن نلتقي على أرض واحدة كما لو أننا أصنام في متحف الشمع؟
نحن فعلاً حالات خاصة وما ينطبق على شخص لا ينطبق على آخر،
وما أواجهه من تجارب وكيف يكون ردي لا يتعلق بك، ولا معاييرك وشخصيتك، بل الأمر يتعلق بي وحدي وتاريخي الخاص والمبادئ الشخصية التي أؤمن بها وتجاربي ونشأتي بل وحتى اختلاف الجينات وهو الأمر نفسه ينطبق عليك.
لقد عشت أكثر من ربع قرن في بلد ديمقراطي تطرف في الحقوق الفردية ولم يغضب يوما أحد لأنني لا أشبهه أو لا أفكر مثله أو لا أتطابق معه بل هو تربى على ان ذلك من حقوقنا المشتركة في أن نكون كما نريد لا كما يراد لنا.
على العكس من ذلك قد يغضب منك ويزعل شخص من مجتمعنا لا تعرفه ولا يعرفك إلا من خلال الكتابة لأن وجهة نظرك لم تعجبه أو عنده صورة نمطية خاصة تشكلت من المرويات الشفوية ورفعها الى مستوى اليقين لأنه ببغاء ملقن وعقل مستقيل يعشق اختزال الاشخاص في اوصاف مختصرة مبسطة. ابيض وأسود طريقة العقل المانوي Manichaeism الثنائي الذي يختزل ظواهر الحياة في ثنائيات ونشأ في بابل في القرن الثالث الميلادي ونفكر من خلاله حتى اليوم في عالم تعددت فيه مدارس التفكير.
في مجتمع مفتوح على الوضوح لا تحتاج ان تعرف نفسك كل لحظة ولا تبرر ولا تدافع عن موقف أو فكرة كما في دولنا حيث أنت في مرافعة مستمرة أمام الجميع لتشرح ما لا يمكن شرحه وتوضح ما لا يمكن توضيحه وتتحدث عن تفاصيل لا يعرفها غيرك وهذا استنزاف للطاقة لان كل شخص يريدك كما يرغب هو نسخة منه لانه كائن مستنسخ.
كيف واجهت ظروفاً صعبة أو قاسية وتجاوزتها؟ هذا خياري وقراري أنا وعليّ تحمل مسؤولية كل ذلك بلا شكوى ولا تذمر، وهو ما يفعله أي طائر علق في شباك أو فخاخ،
ولا يتعلق الأمر بالشجاعة والبطولة والسياسة بل ارادة شخصية في أن أكون كما أريد لا كما يراد لي، هكذا كونتك أحداث وظروف وثقافات وتجارب كما كونتني والتقينا في قطار أو لقاء لكننا نختلف في المحطات،
وقد نصل للمحطة نفسها لكننا نمضي في دروب مختلفة أو أواصل السفر.
ما هو أصعب وأقسى من الموت أن تُفرض عليك شخصية من خارجك وليست كما رتبت ونظمت حياتك: هذا تعذيب يومي ونزف
بل هذا إنتحار ذاتي مستمر وتشوه وتفسخ بطيء وفقدان للاحترام الذاتي مما يؤدي الى أفظع وأخس الأفعال واضطراب وتشظي الشخصية.
الهوية الوطنية العامة ليست عقيدة أو آيديولوجيا مقدسة ولا وثيقة رسمية بل الطريقة التي يتعامل بها الانسان مع الاخرين ومن شروطها التغيير والانفتاح والتطور. “العراقوية” ليست صكأ على بياض ولا يكفي ان تكون عراقياً لكي تمتلك الحق في الوصاية على الاخرين والحكم عليهم لان هذا ارهاب وتزييف للاخلاق وللهوية.
قد أضطر أمام قوة قاهرة أن أنحني بعض الوقت، ثم أخترع دروباً من خارج الأقفاص وأنماط التفكير لأن المشكلة غير المنطقية لا تحل بحل منطقي بل من خارج المشكلة، في الابتكار. عبرت ثلاثة حدود دولية مشياً في حرب في بلاد ممنوع فيها السفر وتنتقل من حرب الى أخرى كما يتنقل الشخص في غرف منزل. ماذا لو انتظرت ان تنتهي الحرب؟
مرة إنقلبت بنا سيارة بين البصرة وبغداد عندما كنا عائدين في اجازة لاسبوع من الخطوط الأمامية كوحوش،
إنزلقت من المطر في لحظاته الأولى وفي هذه اللحظات تتكون رغوة زلقة على الطرق،
لكني لاحظت أن بعض الركاب يحاول اسعاف الاخرين،
أكثر من شخص بالاغماء، سيدة بعد أن سحبتها للشارع أخرجت من حقيبتها مرآة صغيرة ومشطاً وأدوات زينة وهي مدماة وشرعت تتزين وتمشط شعرها .
عرفت انها تحت أعراض الصدمة وحالة إنكار وتحاول العودة الى ما قبل الحادث، لأن الرتابة والعادة تخلق مشاعر الأمن الزائف.
لماذا اختلفت ردود الأفعال؟
هذه الأفعال لم تحدث فجأة بل كل واحد حمل تجاربه وشخصيته وماضيه أو ما يسمى: الحقيبة الشخصية. في الحرب شاهدت حالات غريبة. البعض يصاب بصدمة في الميدان والبعض الآخر يضمد الجرحى في حين يصاب آخرون بالذهول لأن العقل البشري يحاول عزله عن التواصل مع واقع صعب جداً كما في نظام الكهرباء عندما ينقطع التيار من شحنة قوية.
أثق تماما بمقولة: ليست هناك أحداثاً كبيرة أو صغيرة بل هناك إرادة تحمل ومقاومة ذاتية ومبادئ والأهم زاوية النظر. هناك من يغرق في بركة ماء وهناك من يزدهر في أمواج البحر .
نحن نحمل هوية فردية خاصة بكل واحد منا،
لا نتشارك فيها مع أحد أبداً إلا في علاقة شراكة عميقة وبحدود أيضاً،
نحن شركاء فقط في الهوية العامة individual and collective وروابطها كالأرض والتاريخ واللغة والأمل والمستقبل والمصير،
وعلى هذه المساحة نلتقي وفي حال الإقتراب من الهوية الفردية أو المساحة الخاصة، نفترق لأن العلاقة ستكون علاقة سلطة اكراه.