كتاب وشعراء

قصة: “رَجُلٌ نَزَلَ وَحْدَهُ”.. بقلم الكاتب: مؤيد الشاوي

قصَّة قصيرة

توقّف القطار عند محطةٍ لا تحمل اسماً، كأنها خجلت من الاعتراف بوجودها.
لم يكن التوقُّف سوى استراحة عابرة، كأنَّ القطار التقط أنفاسه قبل أن يواصل ما لم يكن لأحدٍ أن يمنعه.
كنتُ هناك، ناظرَ المحطة، أراقبُ بصمتٍ كلَّ حركة، وأدوِّن في دفتري ما قد يُنسى.
جزء من عملي أن أكون شاهداً على ما يمرّ هنا، بلا سلطة على الأحداث، مجرَّد مراقب وصامت.
نزل رجلٌ واحد، وبقي آخرون في العربات، ونزل بعضهم أيضاً، لكن لم يكن لهم حضور في عينيَّ.
كان في ملامحه ما أعرفه جيداً، ما لا يحتاج إلى تعريف.
الملفّ الذي أُغلق منذ سنوات، والذي لم أدوّن فيه اسماً، كان ينزل الآن من القطار.
عاد من منفى بعيد، لا يشبه السجون في شيء، سوى أنَّه يعلّم الغياب بالطريقة نفسها.
لم يكن يحمل حقيبة، لكنَّه بدا مثقلاً بما يكفي ليجلس فوراً، كأنَّ الأرض وحدها قادرة على احتمال ما في داخله.
وضع روحه على المقعد الخشبي كما تُلقى جثَّة قديمة بعد حربٍ نُسيت أسبابها، وأخذ يُحدِّق في السكَّة، لا بوصفها طريقاً، بل بوصفها أثراً لجريمة لم تُحلّ.
لم أكن مسؤولاً عن المسارات، بل عن تدوين ما يحدث حين يخرج كلَّ شيء عن مساره.
قال، لا ليُسمِعني، بل كمن يختبر صدق صوته:
– أعرف الطريق… لكنَّني لا أذكر من كنتُ حين بدأته.
المحطة كانت مهجورة على نحوٍ فاضح. الجدران متشقِّقة، لا بفعل الزمن، بل بفعل ما سُمِع فيها ولم يُقَل.
رائحة الصدأ امتزجت بدخان مواقد الحطب القديمة، وكأنَّ الهواء نفسه عالق في اعترافٍ لم يكتمل.
خفّض الرجل رأسه، وشعرتُ أن صدره لا يحتوي قلباً، بل غرفةً مظلمة تتراكم فيها سنوات بلا نوافذ.
همس:
– الأمكنة لا تمرّ بنا… نحن من نتعفّن فيها.
وما يحدث، صدّقني، ليس سوى عبثٍ طويل أُتقِنَ جيداً.
اقتربتُ.
كان صمته أثقل من أي كلام.
شعرتُ بذلك الثقل القديم الذي لا نشعر به إلا تجاه من نعرفهم أكثر مما ينبغي.
في عينيه رأيت الخنادق، والطفل الذي كبر على عجل. طفلاً أرضعته الأيام حليب الهلع،
فتعلّم أن يطلق النار على ذاكرته كلما حاولت الاقتراب.
قال: إنَّ الظلام لا يأتي وحده، بل بصحبة أشكالٍ تعرف اسمه جيداً، وإنَّ النسيان ليس نجاة، بل خدعة نؤجّل بها الانهيار.
سألته، وربما كنتُ أسأل نفسي:
– ممّ تهرب؟
تنفّس ببطء، كمن يطفئ حريقاً لا يُرى:
– من البداية… ومن النهاية أيضاً. كلاهما فخ.
قالها كما لو أنه يعتذر، لا يشرح.
حكى أنه كان عامل إشارات.
يغيّر مسارات القطارات، يمنح الآخرين عبوراً آمناً، بينما يقف هو في المنتصف، لا يصل ولا يعود.
قال: إن كل إشارة يرفعها كانت تُغلق داخله باباً، وإن المسافة التي لا تُعاش تتحوّل إلى سجن.
لم يقل كل شيء. أشار فقط إلى توقيعٍ قديم في أسفل صفحة، وقال: إنه لم يقتل أحداً مباشرة، لكنه جعل غياباً يبدو قانونياً.
غربان العمر كانت تزوره كل مساء،
تحمل رماد أيامٍ لم تُدفن، وتضعه على كتفيه بلا رحمة.
ترك كلَّ شيء، أقنع نفسه أن النسيان عادة يمكن إتقانها، لكن وجهاً واحداً ظلّ يجيئه في العتمة، لا ليعاتبه، بل ليذكّره بأنَّه مازال موجوداً.
دوّى صفير بعيد. ارتجفت المحطة كما لو أنها تذكّرت فجأة سبب بنائها.
قال فجأة، وكأنه توصّل إلى حكمٍ أخير:
– لا شيء يمكن أن ينقذنا… سوى أن نملأ المسافة.
سألته:
– وكيف؟
ابتسم ابتسامة واهنة، تشبه اعتذاراً متأخراً:
– لو عرفتُ، لما كنتُ هنا.
ليس هذا وقت الأسئلة.
عاد القطار ببطء، بوقارٍ جنائزي.
نهض الرجل، ومشى نحو السكة كمن يدخل محكمة بلا قاضٍ.
كنتُ أعرف الاسم، أو كنتُ أهرب منه.
قبل أن يصعد، سألته عن اسمه. التفت إليّ، وابتسم ابتسامة بلا ملامح، كمن يطفئ آخر ضوء في ممرّ طويل:
– لا شيء… لأنَّ الأسماء لا تنقذ أحداً.
صعد.
اختفى.
بقيتُ وحدي.
عندها فقط فهمت:
أن المسافة لا تُدفن، لأنها ليست بين مكانين،
بل بين شخصٍ كان يمكن أن نكونه، وآخر تواطأنا على إنكاره. وأن لعبة النسيان لا تُنهي الرحلة، بل تحبسنا في دهليزٍ لا بداية له ولا نهاية. وفهمتُ، متأخِّراً، أنَّ سؤالي عن اسمه لم يكن موجّهاً إليه وحده… بل كان سؤالاً يحدّق في وجهي منذ زمن.
بعض الطرق، مهما ابتعدنا عنها، لا تتوقف عن السير داخلنا… حتى آخر محطَّة.

مؤيد الشاوي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى