
قالوا لنا: بلادُ العربِ أوطاني…
فصفّقنا للنشيد
كما يصفّقُ الجمهورُ لفكرةٍ جميلة
يعرفُ أنها لن تأتي.
يا صديقي…
لسنا أمةً انقسمت
نحن أمةٌ
تدرّبت طويلًا على أن تكونَ مقسومة
حتى صارت القسمةُ
عادةً يومية
مثل شربِ القهوة
واختلافِ النبرة.
قالوا: الاستعمارُ رحل…
فأغلق البابَ من الخارج
وتركَ المفتاح
داخل رؤوسنا.
ومنذ ذلك اليوم…
نحن لا نحتاجه
نحن فقط نُديرُ وصيته
بإتقانٍ شديد
ونختلف على طريقة التنفيذ
ونتفق على النتيجة.
يا للعجب…
كلُّ واحدٍ منّا
يظنّ أنه الوطن
وأن الآخرين
تفصيلٌ جانبيٌّ في الخريطة.
حتى الخريطةُ نفسها
لم تعد بريئة
صارت مرآةً
نُقيس فيها حجم انقسامنا
ثم نُسميه “هوية”.
نضحك في المؤتمرات…
نبتسم في البيانات…
نصفّق للجامعة العربية
كأننا نصفّق لساعةٍ
لا تشير إلى أيِّ وقت
لكنها لا تتوقف.
قالوا: وحدتكم قوة
فقلنا: القوة خطر
قالوا: اختلافكم مؤقت
فجعلناه دستورًا
قالوا: أنتم شعبٌ واحد
فأثبتنا العكس
بذكاءٍ إداريٍّ مبهر
وبدقةٍ لا تخطئ هدفها: أنفسنا.
يا صديقي…
أقسى ما في القصة
أن الجدار لم يعد خارجنا
بل أصبح طريقة تفكير
لو هُدمت الحدود غدًا
سنبحثُ عن خطوطٍ جديدة
لنطمئن.
ومع ذلك…
في مكانٍ لا يصل إليه البيان الرسمي
ولا تغطيه نشرات الأخبار
ما زال هناك شيء يهمس:
لسنا مشكلة خريطة…
بل ذاكرةٌ واحدة
تخاف أن تعترف بنفسها.
ومع ذلك…
في زاويةٍ لا تُرى
ولا تُدرّس في كتب التاريخ
ولا تُذكر في الخُطب…
يولدُ جيلٌ
لا يسألُ: أين الحدّ؟
بل يسأل: لماذا وُجد أصلًا؟
جيلٌ
لم يتدرّب على القسمة
فلم يُجِدها…
ينظرُ إلى الخريطة
ولا يراها مرآةً
بل ورقةً
قابلةً لإعادة الرسم.
جيلٌ
لا يحملُ مفتاحًا في رأسه
بل يجرؤ…
أن يكسرَ الباب.
ربما لن يعلنوا الوحدة
في بيانٍ رسميّ
لكنهم…
سيعيشونها.