كتاب وشعراء

جماليات المكان وتحولات الوجيز في قصائد الشاعر عباس علي.. بقلم الناقد: حسام جابر

يتخذ الشاعر من المكان حيزاً استراتيجياً، محولاً إياه إلى منصة للمديح الفني عند صياغة النص، حيث يبرع في اقتناص (الجمال الوجيز)، ذلك الجمال الخاطف الذي لا يحجب جوهره الأصلي رغم قصر مدته الزمنية. الشاعر عباس علي، في تجربته الشعرية، ينفرد بهذا الجمال ويمزجه برؤاه الفلسفية، لينتج أيقونات دلالية محملة بمعانٍ وقيم تجعل المتلقي يقف أمامها في حالة من الذهول الجمالي. اعتمد الشاعر بشكل مباشر على ثنائية الحضور والغياب في المكان الشعري الذي يظهر كأثر ثم يختفي، ومن هذا التجلي الوجيز يغذي الشاعر أفكاره عند النظم، ويخلق حالة من التجانس بين الحيز المكاني وتدفقات أفكاره، مما يولد قصائد ذات مستويات دلالية عميقة وواضحة. فالمكان في هذه التجربة ليس مجرد جغرافيا، بل هو شعور وجودي عابر للزمن، يربط ذات الإنسان بحاضرها وماضيها في آن واحد.

كيف استطاع الشاعر نقل ما دار في المكان تاريخياً إلى الحاضر بمرونة وتنوع؟ وضمن شروط انتقالية لا تقبل التبدل رغم تعاقب السنين.. إنه يطمح من خلال مفرداته المتقنة إلى إظهار جمال روحي، جعل من المكان مشروعاً شعرياً متكاملاً يمنح القارئ خيارات عديدة للتأويل، ويدفعه للتماهي مع المكان والانتماء إليه، مدفوعاً بحالة من الشغف والارتباط بالواقعية التاريخية التي مرت بها البشرية. الشاعر هنا لا يكتفي بالوصف، بل يقرب الواقع الجغرافي بصورته الحقيقية إلى الواجهة، وينقل الموجودات، مما يحفز المتلقي على استعادة القراءة واستنطاق النص مرة تلو أخرى، فالبيئة الجغرافية في شعره تمثل جبهة رصينة.

كُنتُ هناك،
في زقاق الزمكان،
أبيع نبوءات سومرية
مغلفة بأغلفة شوكولاتة سويدية،
وأريك عابري السبيبة..
بابتسامة نيتشه وهو يفكك أحجية المطلق.

المحرك لدى الشاعر في هذه القصيدة هو أصل المكان، بوصفه المادة الخام التي تمنح الحركة الأدبية نجاحها. يوظف هذا الأصل بطريقته الخاصة، فتنمو على حواف النص صور شعرية محملة بوظائف انتقالية، كما يتجلى في مقطوعته. يلزمنا هذا النص بالعودة إلى المرتكزات الفكرية للشاعر، حيث يعمد إلى توظيف المكان ليكون جسراً تعبيرياً يربط الذات بالموضوع. إن إصرار الشاعر على استحضار أمكنة تعود لآلاف السنين بكامل أوصافها الجمالية، وتطويعها رفقة الإيقاع المتنوع، يخلق حالة من التوافق مع الذات.

إن علاقة الشاعر بالمكان هي علاقة استحواذ جوهري، حيث تتحول الانطباعات التي نكتسبها من نماذجه الشعرية إلى حقيقة مكانية موثقة بكلمات تنبض بالواقع، هذا التوثيق الجمالي هو ما يعزز تمسك القارئ بوحدة الموضوع، ويمنح القصيدة حركية وحرية في التعبير عن الانفعالات والحس الظاهري، مقدمة صورة تامة وناضجة للمادة الشعرية التي نحن بصددها.

المدينة؟
تلك التي منحتني
ابتسامةً تُشبه المقصلة…
ورصيفاً أتناثرُ عليه خريفاً،
ضحكت قليلاً،
ثم مشت دون أن تلتفت
لأسمع فيها صمتي حين يصيحُ،
وحين يُسمّرُ بين ضلوعي المسيح.

يرتفع الشاعر عباس علي بمنسوب الدراما المكانية فالمدينة هنا ليست مجرد بيوت وشوارع، بل هي كائن حي يمتلك مشاعر ومواقف، لكنها مواقف تتسم بالقسوة واللامبالاة. الشاعر يطرح سؤالاً استنكارياً (المدينة؟) ليفكك من خلاله مفهوم المكان ويحوله إلى مكان معادٍ. ينقل الشاعر المادة المكانية الشعرية عبر صورة الابتسامة التي تشبه المقصلة هنا يمتزج الجمال الظاهري (الابتسامة) بالباطن الموحش (المقصلة)، مما يولد صدمة شعورية لدى المتلقي. المدينة في نص عباس علي لا تمنح الأمان، بل تمنح رصيفاً للتبعثر والخريف؛ وهو ما يعزز فكرة التبلور بين الجماد والمكان حيث يتحول الرصيف من حجر صلد إلى مسرح لتناثر الذات الإنسانية.

لقد غمر الشاعر نفسه في تحديد علاقة اشتباك مع المكان، المدينة تضحك، تمشي، لا تلتفت. هذا التوظيف يجعل المكان يراقص حالة من الوجع الأبدي المرتبط بذات الشاعر. وحين يقول (لأسمع فيها صمتي حين يصيح)، فإنه يمنح الصمت ماهية مادية مكانية، وصولاً إلى ذروة التجسيد في صورة (يُسمّر بين ضلوعي المسيح). هنا يستعير الشاعر الرمز الديني ليبصمه في قالب المكان، محولاً الجسد (الضلوع) إلى مكان للصلب والمعاناة، وهو ما يعكس الماهية الأصلية للقصيدة التي ترتكز على واقع جغرافي مشحون بالانكسارات التاريخية.

إبداعات الشاعر لم تتوقف عند الوصف الظاهري للمدينة، بل هيأ من الجانب التقليدي (الرصيف، الشارع) مكاناً يوظفه بمخيلته ليخرج منه قيمة جمالية مكانية ذات تأصيل أدبي متميز. إن المدينة التي تمشي دون أن تلتفت هي تجسيد الواقع الأسطوري للمدن الحديثة التي تبتلع أبناءها. هذا التماسك البنائي يعطي القارئ انطباعاً واضحاً عن المكان الجمالي الذي يسعى الشاعر لتوثيقه، مكان يتجاوز الصخب وضغوطات الحياة ليصبح مرآة للروح المعذبة، حيث يتحول مساء الشاعر رغم قسوته إلى منجز فني يحمل كل تراكيب الإبداع.

وعلى ضوء هذه القراءة النقدي، نترككم مع هذا النص

وصايا الغريب

في اللّيلةِ الأخيرةِ من نومي،
كُنتُ أمدُّ يدي إلى صدري… فأمسكُ طُفولتي!
فإذا هي ورقةٌ باهتةٌ نُسيت في كتابٍ قَديمٍ،
كُتبَ عليها: “لا تفتح الصفحةَ التاليةَ… ستموت”
“لو جئتني مرّةً… مَرّة،
أذبح الوقتَ عُمره،
صهرتني في أورُورَاك — والآن… لا أرَاك؟”

إلى أينَ تأخذني؟
إلى مرساكَ الذي هو مرساي،
حيثُ فوضاي تفتّشُ عنكَ وعنّي… عنكَ وعنّي!
بل وتصفعني،

في يديَّ طيفُ قميصكَ
كُنتُ أرتديهِ في موتٍ سابقٍ،
وعلى رُوحي ندبةٌ من شوقٍ بليغٍ
أكتُبُها على الجُدرانِ التي لا تحزنُ:
“أنا النّاجي الوحيدُ
الذي لم ينجُ منكَ ومنّي… منكَ ومنّي،
بل وتُرجمني”

في السّاعةِ العاشرة،
وأنا أُشاهدُ صُورةَ غيابكَ المُباشرة،
أنزعُ قميصكَ…
وأبحثُ عن رصاصتكَ التي قالت لي ذاتَ ليلٍ:
“إن أردتَ النّجاةَ… فمُت أوّلًا”

أنا لستُ بخيرٍ،
ولا أنتَ،
وحتّى الطّريقُ لا يتذكّرُ نُبُوءاتنا،
ويتعثّرُ بأشباحِ خُطواتنا

المدينةُ؟
تلكَ التي منحتني
ابتسامةً تُشبهُ المقصلةَ…
ورصيفًا أتناثرُ عليهِ خريفًا،
ضحكت قليلًا، ثُمّ مشت دونَ أن تلتفت
لأسمعَ فيها صمتي حينَ يصيحُ،
وحينَ يُسمرُ بين ضُلوعيَ المسيحُ

أمِّي كانت هناكَ — ما تبقّى من نداها…
يُزهرُ فوقَ صداها
فحينَ فتحت بابَ الخزانةِ الصّامتةِ،
انفلتت ورقةٌ بخطّها المُرتبكِ:
“إن عُدتَ، عُد كما ولدتكَ الرّياحُ…
لا كما ربّتكَ الجراحُ”

سألتُ وجهها في الظّلِّ:
أكُنّا رجع موتٍ مُؤجّلٍ؟
أم همسَ ولادةٍ لم تكتمل؟
فأَجبتني — أو لعلَّ الرّيحَ أَجابت:
“نحنُ من فقدَ الحياةَ… كي ندُلَّ الآخرينَ”

كُلُّ شيءٍ ينكرُني،
حتّى القطا الذي يعرفُني،
حتّى دُخانُ السّجائرِ حين يختنقُ في رئتيّ،
حتّى المقاعدُ التي ترفضُ وزني،
وكُلُّهُم يتهامسونَ قبلي:
“هو القصيدةُ التي انتحرت على الورقِ،
هو المطرُ الذي أضاعَ أرضهُ…
فصار غريبًا في الغيمِ”

في آخرِ الوصيّةِ،
حينَ استنزفت الورقةُ من النّزيف،
كتبتُ جُملتي الأخيرةَ بيدٍ مُرتعشةٍ:
“هُنا سقطَ الغريبُ سيزيف،
ولم يلتفت إِليهِ أحدٌ.”

عباس علي 🇮🇶

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى