“الشوكة” الإماراتية في “حلق” الحسابات الأمريكية .. ما بين “القبة المالية”، وانتهازية “الحثالة”، ووطأة المصالح “الترمبية”

كتب:هاني الكنيسي
يفتح دونالد ترمب أبواب الخزنة الأمريكية على مصراعيها أمام الإمارات، معبّرًا عن “صدمته” من هشاشة وضعها المالي. فيشتعل غضب بعض المقربين في إدارته، مثل ‘ستيف بانون’ الذي يرى في هذا الدعم المالي تعارضًا مع مبدأ “أميركا أولا” وخضوعًا لانتهازية حليفٍ ثري لكنه “حثالة”. وبالتوازي، تتقاطع تلميحات الإعلام واستنتاجات المحللين بأن قرارات ترمب لا تنفصل عن مصالحه الشخصية والعائلية مع حكام أبوظبي ودبي، مع المتداول عن صفقة “مجلس السلام” في غزة “المليارية” لشركة موانئ دبي العالمية باعتبارها مجرد حلقة في محاولة أوسع لـ“تعويض” الإمارات عن خسائر الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز (ولو على حساب الفلسطينيين).
في مقابلة مع شبكة CBS أمس 21 أبريل، أعرب الرئيس الأمريكي عن انفتاحه على فكرة تقديم دعم مالي للإمارات، وهو ما وُصف إعلاميًا بـ“القبة الدولارية” Dollar Dome أو “شبكة الأمان” المالية، لإنقاذ اقتصادها المتأثر بتداعيات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، غير أنه لم يخفِ -في القوت ذاته- ذهوله الشخصي من “هشاشة” الدولة الخليجية النفطية التي تعهّدت لإدارته في 2025 باستثمارات تناهز 1.4 تريليون دولار خلال عشر سنوات. فقال ترمب حرفيًا: “الأمر قيد الدراسة.. إنهم حقًا بقيادة أشخاص رائعين… يعني، أنا مندهش، لأنهم أثرياء جدًا”!!
ووفق صحيفة ‘وول ستريت جورنال’، ومحطة CNBC، فإن النقاش الدائر حاليًا لا يتعلق بـ“قرض” تقليدي، بل بترتيب “احترازي” يتيح للإماراتيين الوصول إلى سيولة دولارية عند الحاجة. وبحسب تلك التقارير، فقد طلب محافظ مصرف الإمارات المركزي ‘خالد محمد بلاما’ من وزير الخزانة الأمريكي ‘سكوت بيسنت’ بحث “خطة دعم” من نوع “خطوط مبادلة العملات” Currency Swap Lines
ومفهوم أن “الحوجة” الإماراتية لصديقها البرتقالي منبعها الحرب “مفتوحة النهايات” على إيران، وتعطّل الشريان المائي الاستراتيجي (الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية)، ما فرض “واقعًا جديدًا مؤلمًا” على اقتصاد يعتمد على التدفقات التجارية والطيران والخدمات المالية بقدر اعتماده على النفط.
لكن اللافت أن “انفتاح” الرئيس على مد يد المساعدة يوازيه “تذمر” من الدائرة المقرّبة لترمب، عبّر عنه “بوقاحة” أحد أبرز وجوه التيار الشعبوي والقومي ‘ستيف بانون’ (رائد شعار “أميركا أولا”) الذي وصف الإمارات بأنها “حثالة” (Scum)، في سياق اعتراضه على منح الدولة الخليجية “الثرية” قرضًا قصير الأجل بالدولار سيمثّل “عبئا إضافيًا غير مبرر على دافع الضرائب الأمريكي”.
وفي المقابل، تبنّى مسؤولون جمهوريون مثل ‘كيفن هاسيت’ مدير المجلس الاقتصادي الوطني بالبيت الأبيض، موقفًا أكثر براغماتية ومرونة، مؤكدًا أن الإمارات “حليف قيّم” وأن دعمها “منطقي” مع تفاقم أزمة مضيق هرمز.
من جانبها، سعت أبوظبي إلى نفي صورة “الهشاشة المالية”، فأكد السفير يوسف العتيبة أن بلاده تمتلك أصولًا سيادية تتجاوز 2 تريليون دولار، وقطاعًا مصرفيًا بقيمة 1.5 تريليون دولار، معتبرًا أن أي حديث عن حاجتها إلى دعم خارجي “قراءة خاطئة للحقائق”. بمعنى أن طلب الدعم ليس بسبب العوز وإنما خطوة في سياق “إدارة المخاطر” في ظروف استثنتئية.
إلا أن البعد “الجيوسياسي” زاد المشهد المتأزم “نظريًا” بين واشنطن وأبوظبي تعقيدًا. إذ تحدثت ‘بلومبرغ’ قبل أيام عن “تلويح الإمارات باستخدام اليوان الصيني في تجارة النفط”، ما اعتبره المحللون “رسالة ضغط موجهة إلى واشنطن”. فالصين هي أكبر مستورد للنفط الإماراتي، واعتماد عملتها “اليوان” في هذه المعاملات (ما يُعرف بـ”البترو-يوان” Petroyuan) يمثل ضربة في مقتل لنظام “البترودولار” العالمي الذي يشكل أحد أعمدة الهيمنة المالية الأمريكية منذ سبعينيات القرن الماضي.
وغير بعيد بالمرة عن هذه الصورة المتشابكة في العلاقات الأمريكية الإمارتية مؤخرًا، عامل المصالح الشخصية وعلاقات “الشبكات العائلية”. فالعلاقة بين ترمب والإمارات لا تقتصر على التحالف السياسي أو الاستثمارات المتبادلة ، بل تمتد إلى شبكة كثيفة من “المصالح الخاصة والعائلية”. إذ حصل صهره اليهودي ‘جاريد كوشنر’ على مئات الملايين من الدولارات من صناديق سيادية إماراتية عبر شركته “Affinity Partners”، فيما تستثمر أبوظبي مليارات في مشاريع مرتبطة بعائلة ترمب؛ من العملات المشفرة إلى قطاعات التكنولوجيا. وفي دبي، تدرّ مشاريع مثل “Trump International Golf Club” عوائد مستمرة عبر عقود العلامة التجارية والإدارة، بالشراكة طويلة الأمد بين آل ترمب وحسين سجواني، رئيس شركة ‘داماك’ العقارية الإماراتية. (*قيمة العلامة التجارية لترمب في الإمارات تُقدر بعشرات الملايين من الدولارات سنوياً كصافي ربح من رسوم الإدارة).
هذا التشابك قد يبرر- ولو جزئيًا- نظرية “المؤامرة” التي يطرحها بعض المحللين في قراءة المشهد: قرارات ترمب فيما يتعلّق بدولة الإمارات لا يمكن النظر إليها من زاوية استراتيجية (اقتصادية – سياسية) بحتة، بل أيضًا من زاوية المصالح والارتباطات “الخاصة” التي لا تبتعد الأصابع “الصهيونية” عن كواليسها “الإبراهيمية”.
ويتعزز هذا الانطباع مع ما كشفته صحيفة ‘فايننشال تايمز’ قبل يومين، عن اتفاق ضخم بين “مجلس السلام في غزة” التابع لترامب وشركة ‘موانئ دبي العالمية’ DP World لإدارة القطاع المستباح وإنشاء ميناء رئيسي على ساحله، في صفقة تُقدّر بنحو 70 مليار دولار. وهو ما اعتبره البعض صراحةً وسيلة “تعويض غير مباشر” للإمارات عن بعض خسائرها الناجمة عن حرب إيران وإغلاق هرمز، ورآه آخرون “إعادة هندسة جيوسياسية لدور الإمارات في الشرق الأوسط الكبير”.