غير مصنف

نفسية البشر: في تطور أم نحو هلاك؟… بقلم: المهيري بنعيسى

دعني أسألك سؤالًا صريحًا:
عندما تنظر إلى الناس من حولك – في العائلة، في العمل، في الشارع، حتى على وسائل التواصل – هل ترى وجوهًا هادئة وعقولًا راضية؟
أم ترى عيونًا منهكة، وأعصابًا مشدودة، وقلوبًا لا تعرف متى تفرح؟

أنا كمعالج نفسي، أجلس يوميًا مع بشر من كل الأعمار.
ما أراه يقلقني.
ليس لأنهم مجانين أو فاشلين – بل لأنهم مرهقون بلا سبب واضح.

فدعنا نحلل الأمر بمنطقية، ثم بقلبية.

أولاً: علامات الهلاك النفسي التي نعيشها اليوم

قبل 30 سنة، كان الإنسان يحزن إذا مات قريب له، أو إذا خسر وظيفة.
أما اليوم، فيحزن لأنه شاهد صورة شخص يسافر، أو لأنه حصل على 100 إعجاب فقط.

نعم، لقد وصلنا إلى أن مقاييس السعادة أصبحت خارجية بالكامل.

من علامات الهلاك النفسي الواضحة:

· القلق المزمن بلا سبب: الناس اليوم يخافون من المستقبل، من الفشل، من آراء الآخرين، حتى من السعادة نفسها (متلازمة الخوف من الفرح).
· الفراغ الوجودي: كثيرون لا يعرفون لماذا يستيقظون صباحًا. يعملون، يأكلون، ينامون، ويعيدون الكرة. كالآلات.
· الوحدة رغم الكثرة: لديك 2000 صديق على فيسبوك، لكن عندما تمر بأزمة في الثالثة فجرًا، لا تجد من تتصل به.
· الاكتئاب عند المراهقين: لم يسبق في تاريخ البشرية أن كان طفل في الثانية عشرة يتناول مضادات اكتئاب. اليوم، هذا أمر عادي.

هذا ليس تطورًا. هذا هلاك بطيء

ثانيًا: لكن هل هناك تطور حقيقي؟

لا أريد أن أكون متشائمًا فقط. هناك تطور، لكنه ليس في جوهر النفس، بل في وسائل التعامل معها.

· التطور الأول: الوعي بالصحة النفسية.
قبل 20 سنة، كلمة “اكتئاب” كانت عيبًا. اليوم، الناس تتحدث عنه، وتطلب المساعدة. هذا إنجاز.
· التطور الثاني: تخصصات علاجية جديدة.
العلاج المعرفي، العلاج بالتعرض، العلاج بالقصص. حتى العلاج بالقرآن والسيرة بدأ يظهر.
· التطور الثالث: تقبل الضعف.
الرجال اليوم صار بإمكانهم البكاء دون خجل، والنساء صار بإمكانهن قول “أنا لست بخير” دون تأنيب.

لكن هل هذه التطورات كافية؟
للأسف لا. لأنها تبقى مسكنات، ما لم نصلح المصدر.

ثالثًا: ماذا يقول القرآن والسيرة عن هلاك النفس وتطورها؟

القرآن لم يغفل عن هذه الحقيقة العميقة:
النفس البشرية يمكن أن ترتقي إلى أعلى عليين، ويمكن أن تهبط إلى أسفل سافلين.

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ (التين: 4-5)

أحسن تقويم = إمكانية التطور.
أسفل سافلين = الهلاك النفسي.

والنبي ﷺ قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» – أي أن التطور الحقيقي ليس في القوة أو المال أو التكنولوجيا، بل في تزكية النفس.

فإذا رأيت شخصًا يملك كل شيء، لكنه ظالم، حقود، حزين، قلاق – فهذه نفس هالكة.
وإذا رأيت شخصًا فقيرًا، لكنه راضٍ، متواضع، يساعد غيره – فهذه نفس متطورة.

رابعًا: من أين يأتي الهلاك النفسي الحقيقي؟

من تجربتي كمدرب نفسي، الهلاك لا يأتي من الفقر، ولا من المرض، ولا من الصدمات.
الهلاك يأتي من:

1. فقدان المعنى: عندما لا تعرف لماذا تعيش، تموت وأنت تمشي.
2. الانقطاع عن الله: ليس بالضرورة ترك الصلاة، ولكن أن يصبح قلبك لا يأنس بذكره.
3. العلاقات السامة: أن تحيط نفسك بمن يقللون منك، ثم تتعجب لماذا تكره ذاتك.
4. مقارنة النفس بالآخرين: أعظم سمٍّ للصحة النفسية في عصر السوشيال ميديا.

النبي ﷺ قال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم».
هذه وصفة نفسية بحتة لمنع الهلاك.

إذن، نفسية البشر اليوم في تطور أم هلاك؟

الجواب الصادق: كلاهما معًا.

هناك جزء من البشر يتطور نفسيًا: يعالج صدماته، يتعلم حدودَه، يقترب من ربه، يزرع السلام في داخله.
وهناك جزء آخر يهلك: يغرق في المقارنات، يبيع قلبه من أجل إعجابات، ينام وفي صدره غصة لا يعرف سببها.

الفرق الحقيقي ليس بين جيل وجيل، بل بين قلب وآخر.

فأنت – أيها القارئ – اختر:
هل تريد أن تكون ممن قال فيهم الله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾؟
أم ممن قال عنهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾؟

أنا لا أقول إن الهلاك ليس موجودًا. هو موجود، وكثير.
لكن التطور النفسي الحقيقي هو أن تعترف بذلك، ثم تبدأ من نفسك.

ابدأ اليوم:
صلِّ ركعتين بخشوع.
اتصل بشخص تحبه وقل له “أحتاجك”.
اكتب ورقة فيها ثلاثة أشياء تشعر بالامتنان لأجلها.

هذا هو التطور.
وكل ما عداه، مهما زادت وسائله، فهو هلاك مؤجل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى