
بنى أبي جدرانًا
لا ليحتمي بها،
بل ليُعلق عليها صوته المتعب،
ويخبّئ في شقوقها رجفة الغريب
الذي لم يجد وطنًا يكفيه.
كان يرفع الطوب
كما لو أنه يرفع أيامه عن الأرض،
يمسح العرق عن جبينه
كمن يمسح طريقًا لا يصل،
ويقول: “هذا البيت يكفينا”
بينما كان قلبه
أوسع من أن يُسكن،
لم يكن يعرف
أن الجدران تحفظ أكثر مما نحفظ،
وأنها ستتعلّم البكاء
حين نغادرها.
كبرنا وكبر معنا الفراغ،
صار البيت ظلًا
يمشي خلفنا ولا نمسكه،
بابه مفتوح كفم انتظار،
ونوافذه عيون
تحدّق في طريق لا يعود.
الأرض؟
صارت اسمًا
نردّده في حناجرنا
كلما ضاقت المدن،
كلما ضاعت وجوهنا بين الوجوه،
كلما حاولنا أن ننسى
فعاد الطين إلينا
كأمٍّ لا تقبل الفطام.
أبي..
ذلك الذي كان يخرج
وفي جيبه خريطة ناقصة،
وفي صدره وطنٌ مؤجَّل.
كان بارًا بالغربة،
كأنها أم أخرى،
يمنحها صبره،
ويغفر لها قسوتها،
ويمضي في الجهات
كمن يبحث عن نفسه
في وجوه الآخرين،
لم يكن تائهًا فقط،
كان موزَّعًا..
نصفه هنا
يبني جدارًا،
ونصفه هناك
يسأل: أين الطريق؟
وأمي..
كانت تمكث في القرية
كجذع زيتونة
لا يبرح أرضه.
تنتظر..
لا لأن العودة مؤكدة،
بل لأن الحب
لا يعرف كيف يغادر،
كانت تفتح الباب كل مساء
وتتركه مواربًا،
كأنها تفسح للريح
أن تحمل إليه رائحتها،
وتقول في سرّها:
“ربما تعب من البُعد..
وربما تذكّر الطريق.”
كانت الجدران تعرف صوتها،
تحفظ خطواتها،
وتنحني قليلًا
كلما مر طيفه في خاطرها.
وحين كبرتُ..
فهمتُ أبي أكثر مما فعلتُ وهو حي،
رأيتُ كيف كان يحملنا
كأحمال من الضوء،
وكيف كان يخبئ خوفه
داخل ضحكٍ قصير،
فهمتُ لماذا كان يصمت طويلًا،
ولماذا كان ينظر إلى البعيد
كأنه يحدّث أحدًا لا نراه،
اكتشفتُ أن الغربة
لم تكن مكانًا،
بل كانت جرحًا
يُؤجَّل كل يوم.
البيت لم يعد بيتًا.
صار مرآةً لنا،
كل جدارٍ فيه يشبهنا،
كل شقّ
يحفظ خيبةً صغيرة،
كل بابٍ
يتعلم كيف يُفتح ولا يُغلَق.
حتى السقف..
صار واطئًا
كأن الحنين يثقل عليه.
وأنا..
كبرتُ بقلبٍ
لا يُشبه قلوب الآخرين.
تحاول الحبيبات أخذه مني،
أبتسم لهنّ
لكن شيئًا في داخلي
يبقى هناك..
في دارنا القديمة،
عند الباب الذي لم يُغلق،
عند يد أمي
وهي تمسح الغبار عن العتبة،
عند صوت أبي
وهو يقول: “سنعود..!!”
لكننا
لم نعد.
اليوم وقد ماتا كلاهما،
انطفأ الطريق
الذي كان يقودني إليهما،
وصار البيت
يتيمًا.. مثلنا.
أقف أمامه
كغريبٍ يعرف كل شيء،
ولا يملك شيئًا،
أمدّ يدي نحو الجدار
فأسمع بكاءه،
أفتح الباب
فيخرج منه الهواء
محملًا بأصواتهم.
أقول:
“أنا هنا.. ”
لكن لا أحد يجيب،
إلا الصدى
وهو يردّد اسمي
كأنني أنا الآخر
كنتُ الغائب،
الآن أفهم،
لم يبنِ أبي جدرانًا فقط،
بل بنى ذاكرة
لا تعرف كيف تموت،
ولم تنتظر أمي رجلًا فقط،
بل كانت تنتظر
أن يبقى البيت حيًّا بنا،
وأنا أحمل كل ذلك في صدري،
كبيتٍ آخر
لا جدران له،
ولا أبواب
إلا وجعٌ مفتوح
على اتساع الغياب.