رؤي ومقالات

د.وليد عبد الحي يكتب :لبنان بين مفاوض واهم ومقاوم محاصر

من المفترض ان تشرع اسرائيل ولبنان في تفاوض مباشر اليوم في واشنطن، وهو تفاوض ليس الاول في مضمونه ،لكنه الأول في رسميته المعلنة ، وسيدور التفاوض بين الطرفين –طبقا لاستراتيجية الاطراف- حول موضوعين هما :
أ‌- الجانب اللبناني الرسمي: سيطالب بانسحاب اسرائيلي تام من الاراضي اللبنانية، والافراج عن الاسرى ، ووقف العلميات العسكرية الاسرائيلية في لبنان.
ب‌- المطالب الاسرائيلية : نزع سلاح المقاومة اللبنانية واغلاق النشاطات السياسية والعسكرية الفلسطينية في لبنان ،وتطبيع العلاقات بين الطرفين ولو في مرحلة لاحقة.
فإذا كانت ادوات اسرائيل لتنفيذ ما تريد( القوة العسكرية،والتأييد الغربي ، ومعهما الضغط العربي على لبنان للاستجاية او غوايته بالمال..الخ) ،فما هي مقومات أدوات الضغط اللبنانية لضمان تنفيذ اسرائيل للمطالب اللبنانية؟
بعيدا عن اوهام العقلانية التي يحاول الرئيس عون ورئيس حكومته زرعها في المتلقي لتصريحاتهما ، من الضروري ان نضع الملاحظات التالية:
أ‌- يمكن اعتبار الجيش اللبناني كقوة شكلا من اشكال “حركات الكشافة” ، فهو جيش صغير جدا (حوالي 56 الف فرد، ) ويعد من اضعف الجيوش العربية( ترتيبه ال 17 بين 18 جيش عربي طبقا لمقياس GFP)، وهو ما يعني ان هذا الجيش ليس له اي وزن يذكر في حسابات ادوات الضغط على اسرائيل.
ب‌- طبقا للارقام المتداولة، فان الجيش اللبناني يضم حوالي 45% من الجنود المنتمين للطائفة الشيعية، ونسبة الضباط الميدانيين من هذه الطائفة تصل الى 28%، وهو ما يعني ان احتمالات الانشقاق واردة في حالة المواجهة مع المقاومة ( وظاهرة الضابط اللبناني احمد الخطيب الذي انشق عام 1976 خلال الحرب الاهلية واطلق على جيشه اسم جيش لبنان العربي حاضرة في الاذهان، علما ان الخطيب ينتمي للطائفة السنية التي تناصر شريحة هامة منها المقاومة اللبنانية )، وتدرك اسرائيل نقطة الضعف هذه، بل وتدرك الحكومة اللبنانية مخاطر ذلك، فجيشها لا يستطيع الوقوف في وجه اسرائيل ولا يستطيع الدخول في مغامرة” حصر السلاح ” بيد الدولة نظرا لضعفه المادي ولبنيته القابلة للتمزق الفوري.
ت‌- من الواضح ان اغلب الدول والمؤسسات المعنية بمتابعة المقاومة اللبنانية تفاجأت تماما “باستعادة هذه المقاومة لعافيتها” بعد تلقيها ضربات مؤلمة في قياداتها ومخزونها العسكري بل وفي افرادها ، إذ ان تصريحات قادة المقاومة خلال العام الماضي بقبولها “حكومة مستقلة” عن الخارج في لبنان،ثم التواري عن الانظار في جنوب لبنان، والصمت على انتهاكات اسرائيل لاكثر من عام ، خلق اعتقادا قويا لدى خصوم المقاومة بل ومناصريها بان المقاومة ” عليلة او تحتضر”، ولفت انتباهي ان المصادر الاكاديمية الغربية استخدمت تعبيرات ذات الدلالة لوصف المفاجأة عند القطاع الاوسع مثل:
-فجوة التوقعات- Expectation Gap
-سوء التقدير الاستخباري-Intelligence miscalculation
– حزب الله كنموذج لمرونة القوى غير الدولتانية-Non-state actor resilience
-تكريس الردع غير المتكافئ- Asymmetric deterrence persistence
ومن الواضح ان استراتيجية الحزب في الاستنزاف المرن للخصم ، ثم تغليب “كُلفة البقاء” على تحقيق نصر تقليدي كانت هي الاستراتيجية الاولية لمرحلة ما بعد الضربات المؤلمة’ ، كما ان معهد الامن القومي الاسرائيلي رأى ان الحزب يعتمد استراتيجية “استمرار القدرة القتالية” بدلا من النصر التقليدي، كما ترى بعض الدراسات الغربية ان الحزب استثمر ” التضخيم الغربي والاسرائيلي لأثر الضربات التي تلقاها الحزب”، وهو امر ناتج –حسب هذه الدراسات – عن سوء فهم لقدرة التنظيم على “التكيف السريع “، وتشير دراسة في مجلة “Asian Affairs” (عدد 4 -2025) الى ان الحزب وازن بين البراغماتية والآيديولوجية من خلال استراتيجية الاستنزاف ، وهو التوجه الذي ركزت عليه دراسات “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات “الامريكية(FDD) وغيرهما، ويبدو ان المقاومة استغلت الانطباع الخاطئ (وهو انطباع ذهبت فيه مع القطيع) لاقتناص الفرصة للتكيف مع الصدمات التي واجهتها.
ث‌- ان تاريخ التفاوض العربي مع اسرائيل يشير الى ان القاعدة لدى المفاوض الاسرائيلي هي” الفصل بين التعهد وبين التنفيذ “، فالمفاوض الاسرائيلي يعطيك وعود وبصيغ قابلة للتأويل لاحقا(على غرار اراضي محتلة والاراضي المحتلة أو الانسحاب او اعادة الانتشار او الحدود الادارية والحدود السياسية …الخ)، ويكفي ان نشير ان دراسات الامم المتحدة تقول ان مجموع الادانات لاسرائيل في هيئات الامم المتحدة تساوي ثلاثة اضعاف مجموع الادانات لبقية اعضاء الامم المتحدة مجتمعين، مما يعني ان الالتزام اللفظي لا يعني لدى المفاوض الاسرائيلي الانتقال للتطبيق العملي.
ورغم “اوهام” ثقافة رائجة في الوطن العربي بان اللبناني ” بخلفيته التجارية الفنيقية ” لديه مهارات تفاوضية يُطمَأن لها ، وهو ما يستوجب الحذر منه ، فالغواية في التفاوض لجلب الطرف الآخر لا يجوز ان تنفصل عن القوة المفترضة لإجبار الآخر على الالتزام، وتقول قاعدة التفاوض الاسرائيلي :لا تقبل اي وعد من أي طرف إلا اذا كنت قادرا على انتزاعه منه لو نكث بوعده، وتقول قاعدة أخرى لديهم :لا تغمض عينك عن عدوك حتى لو استجاب لكل مطالبك.
ج‌- الاختراق الاسرائيلي للبنية اللبنانية- يدرك المفاوض الاسرائيلي ان هناك قوى في لبنان حريصة على تصفية المقاومة بقدر لا يقل عن الحرص الاسرائيلي، وتصبح هذه الثغرة الاستراتيجية اكثر وزنا إذا كان فريق التفاوض اللبناني ينتمي لهذه القوى .
بالمقابل ،فان البيئة اللبنانية-كما اشرنا- بخاصة في القطاع المسيحي الذي يشكل حوالي 34% من المجتمع اللبناني ، والبيئة الاقليمية العربية التي تقف في معظمها ضد المقاومة وضد حلفاء المقاومة، وانسداد قنوات الامداد بعد التغير في سوريا التي تُضمر الكثير تجاه المقاومة ، ناهيك عن اتساع قاعدة التطبيع العربي (السري والعلني) ، وقدرة نيتنياهو على جر امريكا اكثر للمنطقة، مع بعض عدم الوضوح في توجهات كل من روسيا والصين بخصوص مستوى الالتزام مع محور المقاومة خارج الشكليات الدبلوماسية، واحتمالات حدوث مفاجأة ما في ايران …كلها عوامل تعزز غواية المفاوض اللبناني بانه قادر على استثمار هذه البيئة التفاوضية للتسوية مع اسرائيل .
ذلك يعني ان اسرائيل لن تعطي لبنان الا بعد نزع سلاح حزب الله، ولن تخلي اي موقع تتمركز فيه في الارضي اللبنانية ،وستصر على رهن الاعمار في الضاحية والجنوب بنهاية المقاومة كما تفعل حاليا في غزة، وستبقى تنسق مع الولايات المتحدة في الشأن الشرق الاوسطي للضغط على دول البترودولار العربية للمماطلة في اعمار لبنان الى حين ضمان “تصفية الوجود المسلح في لبنان”، واعتبار جنوب لبنان منطقة تتراوح بين المنطقة العازلة(Buffer Zone) او على غرار ما جرى بعد 1949 في فلسطين بان تكون منطقة ” ليست لأحد”(No man’s Land)، وما طبقته اسرائيل مع مصر بخصوص صحراء سيناء قد تعيد تطبيقه في لبنان (حيث تم تقسيم سيناء الى 3 مقاطع لا يجوز للجيش المصري التواجد في المنطقة ج التي تصل مساحتها حوالي 20 الف كم مربع(ثلث سيناء)، او ما تم تطبيقه في الضفة الغربية (المنطقة ج) التي تصل مساحتها الى حوالي 61% من مساحة الضفة الغربية ولا يجوز اي حضور فيها للسلطة الفلسطينية باي شكل كان.
ذلك يعني ان المأزق اللبناني اكبر من اوهام الاطراف اللبنانية وأعقد…وقد يتكرر المشهد مع سوريا لاحقا…ربما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى