
في أوائل التسعينيات، بدأ دوغين يطلق على نفسه وصف “أوراسي”؛ أي من أتباع تيار الفكر السياسي واللاهوتي للمهاجرين الروس بعد أكتوبر 1917، ويرى مستقبل روسيا بعد سقوط الشيوعية بالانعطاف نحو الشرق، ورفض الديمقراطية واقتصاد السوق.
يعتقد الأوراسيون أن روسيا كانت متجهة نحو أوروبا لأكثر من ثلاثمائة عام، وتتنافس معها وتقلدها، ولكن لها جذوراً شرقية، ومملكة موسكو هي وريثة “الحشد التتاري المنغولي”، وليس “كييف روس”.
يقول إيغور تورباكوف، أستاذ الأوراسية الكلاسيكية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، إن دوغين “تشبث بالأوراسية، وكونه رائد أعمال فكري موهوب، تمكن من خلق صورة الأوراسية الرئيسية”.
رأى دوغين في حقبة انهيار اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية تشابهاً بين الوضع الحالي والوضع الذي كتب عنه الأوراسيون، كما يعتقد تورباكوف. فقد واجه أنصار “الإمبراطورية” في التسعينيات نفس السؤال الذي طرحه أسلافهم في عشرينيات القرن العشرين: كيف يمكن إعادة صنع الإمبراطورية؟
يكتب المؤرخ سيرجي بيلياكوف، الأستاذ المشارك في جامعة الأورال الفيدرالية: “لم تكن الأوراسية أكثر من محاولة غير ناجحة هدفها وضع أساس علمي لفكرة وحدة شعوب روسيا وأوراسيا، ولمنح مبرر علمي سعياً وراء الحفاظ على سلامة الدولة الروسية”.
أما دوغين المتشكك في المعرفة العلمية فيكتب: “العلم هو مجرد نوع حديث من الأساطير”.
باستثناء رفض الغرب، لم تكن لديه مشتركات مع الأوراسيين. فبدلاً من وحدة الشعوب، اقترح دوغين “الاشتراكية الوطنية الروسية” لإنشاء “نظام روسي”. ويعتقد بيلياكوف أن عقيدة دوغين أصبحت “تزويراً للأوراسية”.
جنباً إلى جنب مع الكاتب إدوارد ليمونوف، تحمس للحزب البلشفي الوطني المحظور في روسيا الذي وحد الأفكار اليمينية المتطرفة واليسارية المتطرفة كبديل لليبرالية الدولة في عصر يلتسين.
في العام 1995، حاول دوغين الترشح لانتخابات مجلس الدوما الروسي (النواب) عن الحزب البلشفي، لكن حملته فشلت. وفي العام 1998 غادر دوغين الحزب.
شهد العام 2010 صعوداً لأفكار ودعوات إعادة إحياء الدولة العظمى، وبدت السلطات الروسية وكأنها تتحدث بلغة ليمونوف ودوغين وبأسلوب الكاتب ألكسندر بروخانوف، الذي طالب بالانتقام لإذلال التسعينيات، داعياً إلى استعادة شبه جزيرة القرم وشمال كازاخستان الروسي، واعتبر الليبرالية سبباً في كل المشاكل، ودعا إلى دمج عبادة ستالين مع الأرثوذكسية.
من غير الواضح لماذا بدأ يُطلق على دوغين بعد العام 2014 اسم “منظّر بوتين” و”معلم الكرملين”؛ ربما لأنه، أكثر من غيره، وجد نفسه في مدار مشاريع الكرملين، رغم أنه على مدى سنوات نشاطه الفكري لم يكن منخرطاً في مؤسسات السلطة ولا في أجهزتها الدعائية ومراكز الأبحاث الممولة من الكرملين أو التابعة لحزب السلطة.
كان دوغين قريباً من السلطة فقط أواخر التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما شغل منصب مستشار رئيس مجلس الدوما غينادي سليزنيوف، كما يعتقد المؤرخ تورباكوف.
في العام 1997، نشر دوغين الكتاب الأكثر شهرة “أساسيات الجغرافيا السياسية”، وفيه يصور العالم ساحة صراع حضارات اليابسة والبحر؛ القوى القارية والقوى البحرية. الأول يتوافق مع العالم الأوراسي، بقيادة روسيا، والثاني مع الأطلسي، بقيادة الولايات المتحدة.
في أرض القوى الأوراسية، يكتب دوغين، الحكومة استبدادية تقليدياً، والهيكل الاجتماعي جماعي. أما الديمقراطية والفردية والمغامرة فهي من العالم الأطلسي.
وتعد نظرية المؤامرة المفضلة لدى دوغين، فهو يطلق على “GRU” (المخابرات العسكرية الروسية وريثة سابقتها السوفيتية) وكالة أوراسية، وعلى “KGB” (لجنة أمن الدولة السوفيتية) وكالة أطلنطية؛ في دعوة إلى الاعتماد على الوكالة العسكرية والتشكيك في نجاحات الوكالة المدنية.
في وقت لاحق، عاد دوغين إلى طروحات المنظمة المحظورة “الذاكرة” وكتب عن نضال الشعوب البيضاء ضد “الساميين القمريين واليهود والمسلمين”.
كتب فيكتور شنيرلمان، كبير الباحثين في معهد الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا التابع للأكاديمية الروسية للعلوم: “معاداة اليهود الباطنية والمؤامرة في مفاهيم دوغين ليست عرضية”. ووفقاً للمؤرخ، فإن ذلك يرتبط بفكرة “اليهودي العالمي” والذي يعتبر لدى قطاعات من المجتمع المسؤول عن انهيار اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.
وجدت “أساسيات الجغرافيا السياسية” معجبين بين قوات الأمن، وأصبح الكتاب كتاباً مدرسياً للأكاديمية العسكرية لهيئة الأركان العامة الروسية، ودخل الأكاديمية مدرساً، كما تحدث مرة. غالباً ما غيّر دوغين أفكاره، وتخلى أحياناً عن مُثله السابقة، ولكن في بعض الأمور كان أكثر اتساقاً حتى من السلطات الروسية، خاصة في موضوع استقلال أوكرانيا ففي “أساسيات الجغرافيا السياسية”، وصف استقلال أوكرانيا بأنه خطر وجودي على روسيا، واقترح فكرة سيطرة موسكو الفعلية على جنوب شرق أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، ولم تكن فكرة الضم قائمة آنذاك.
ومثل فلاديمير بوتين، يرى دوغين أوكرانيا أداة للولايات المتحدة في الحرب ضد روسيا، ويكتب: “حقيقة وجود أوكرانيا ذات السيادة هي على المستوى الجيوسياسي إعلان حرب جيوسياسية على روسيا، وهذه ليست مسألة تتعلق بأوكرانيا نفسها، بل تتعلق بالأطلسية وقوة البحر”.
هذا لا يعني أن دوغين أثر على السلطات الروسية أو بوتين شخصياً، كما يقول تورباكوف: “هناك خزان عملاق من المفاهيم المحافظة، بما في ذلك المفاهيم المناهضة لأوكرانيا، والتي يمكن للكرملين أن يستمد منها نهجه وسياسته”.
يشار إلى أن مقال ألكسندر سولجينيتسين “كيفية ترتيب روسيا” المنشور عام 1990 اشتمل على طائفة من الأفكار التي تبناها بوتين لاحقاً؛ فقد وصف الحائز على جائزة نوبل استقلال أوكرانيا وبيلاروسيا بأنها “مأساة يجب تجنبها”، واعتبر اللغة الأدبية الأوكرانية “هجينة” تم إنشاؤها بشكل مصطنع في النمسا والمجر و”محشوة بالكلمات الألمانية والبولندية”.
مع استقالة سليزنيوف من منصب رئيس مجلس الدوما، فقد دوغين الوصول إلى مكاتب السلطة، كما يقول تورباكوف. لكن الفرصة الثانية جاءت في عام 2004، بعد الثورة البرتقالية في كييف؛ فقد أسس دوغين “اتحاد الشباب الأوراسي” كإحدى الأدوات لمكافحة الاحتجاجات. قاد هذا الصراع في الكرملين نائب رئيس الإدارة الرئاسية السابق فلاديسلاف سوركوف.
في عام 2008، نظم دوغين ورفاقه مؤتمراً مناهضاً للفاشية في وكالة “ريا نوفوستي” الرسمية للأنباء كرس لمهاجمة أوكرانيا ودول البلطيق؛ يشبه في المحتوى المؤتمر المناهض للفاشية الذي عقده وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في أغسطس 2022. وصرح حينها: “من الضروري إثارة مسألة صلاحية وجود دولة أوكرانيا”.
لكن بحلول نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فقدت مشاريعه الأوراسية دعم السلطات، وتولى دوغين وظيفة أكاديمية.
ففي الفترة 2009-2014، عمل رئيساً بالإنابة لقسم في كلية علم الاجتماع بجامعة موسكو الحكومية، ومنذ عام 2012 كان عضواً في مجلس الخبراء بقيادة رئيس مجلس الدوما سيرغي ناريشكين.
بدأت الصحافة في وصفه بأنه مستشار غير رسمي وأيديولوجي لحزب “روسيا المتحدة”. تمت دعوة دوغين إلى مؤتمرات فلسفية مرموقة، وبدأ في الظهور على الهواء في القنوات الفيدرالية، وطالب بحظر الإنترنت، ووصف ارتداء اللحية بأنه “فضيلة أساسية لرجل أرثوذكسي روسي”، وغياب اللحية يعني “الإخصاء الرمزي”. ويُنسب إلى دوغين عبارة “كل الأشخاص الطيبين هم روس”.