بقلم: بن رودز – نيويورك تايمز
للأمريكيين علاقة مختلة بحروب القرن الحادي والعشرين. فمعظمنا لا يشارك فيها، ولا يرى مشاهد الدمار، ولا يعيش آثارها الجسدية والنفسية. ومع ذلك، لا يمكننا شفاء وطننا ما لم نواجه عبثيتها الوحشية.
بالنسبة لغراهام بلاتنر، بدأت هذه المواجهة عندما كان جندي مشاة في العشرين من عمره في العراق. كانت وحدته تبني قاعدة دوريات قرب الفلوجة، واستعانوا بعمال محليين كانوا غالبًا يجلبون أطفالهم إلى موقع العمل. وفي أحد الأيام، سقطت قذيفة هاون أطلقها مسلحون على المكان الذي كانوا مجتمعين فيه. لا يوجد موت أكثر عبثية من موت طفل، وهي حقيقة واجهها بلاتنر عندما حاول إسعاف المصابين، ثم رأى الآباء المفجوعين وهم يتلقون جثث أبنائهم. ولا يزال يتذكر منظر هؤلاء الأطفال ورائحتهم وملمسهم، وكذلك الألم في عيون آبائهم.
استعاد بلاتنر هذه التجربة وهو يقود شاحنته عبر ولاية ماين، حيث يخوض حملة للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ. في الخريف الماضي، تعرضت حملته لهزة بسبب كشف أمور من ماضيه، منها وشم على صدره يشبه رمزًا نازيًا (قال إنه لم يكن يعرف معناه)، وتعليقات مسيئة كتبها على منصة “ريديت” نسبها إلى صدمة الحرب. ورغم أن نخب الحزب الديمقراطي في واشنطن كانت مستعدة للتخلي عنه، إلا أنه اليوم يجذب الحشود في تجمعاته ويتقدم في استطلاعات الرأي بفارق كبير على حاكمة الولاية.
أحد أسباب نجاحه أنه يتحدث بصدق نادر في السياسة الأمريكية، حتى عندما يتحدث عن خدمته العسكرية. قال:
“أفكر كثيرًا في ذلك اليوم… هؤلاء الأطفال قُتلوا لأننا كنا نبني قاعدة ربما لم تعد موجودة الآن… كم هو مروع هذا الهدر.”
هذا التعبير دقيق. فمنذ هجمات 11 سبتمبر، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 6 تريليونات دولار على حروب قتلت آلاف الأمريكيين ومئات الآلاف من المدنيين، وخلّفت صدمات نفسية لا تحصى، وشردت عشرات الملايين. فما الذي بنيناه في العراق وأفغانستان واليمن وليبيا وإيران؟ وماذا كان يمكن أن نبني داخل بلادنا بهذه الأموال؟
هذا الغضب العميق هو ما يغذي معارضة بلاتنر للحرب على إيران. صحيح أنه يتحدث عن أسعار الوقود وأخطاء إدارة ترامب، لكن جوهر رسالته هو رفض الحرب المستمرة منذ 11 سبتمبر. يقول:
“لا أحد يمكنه إقناعي أن ما فعلته في العراق وأفغانستان أفاد الناس في مدينتي… لا أريد أن يمر شباب آخرون بما مررت به، ولا أن يُجبروا على إلحاق هذا الرعب بالآخرين.”
تشير استطلاعات الرأي إلى أن معظم الأمريكيين يتفقون معه. وحتى زملاؤه الجنود، بمن فيهم أنصار ترامب، يعارضون الحرب.
ومع ذلك، لم يتحول الحزب الديمقراطي إلى حزب مناهض للحرب بشكل واضح. بعض أعضائه يعارضون الحرب بقوة، لكن كثيرين، بمن فيهم قيادته، يظهرون حماسة أقل مقارنة بقضايا داخلية أخرى. بل إن بعض الأصوات اليمينية تبدو أكثر وضوحًا في رفض الحرب.
ينتقد بلاتنر هذا التناقض بشدة، خاصة تركيز الديمقراطيين على مسألة الإجراءات القانونية بدلًا من رفض الحرب نفسها. كما يشير إلى أن كثيرين منهم كانوا تاريخيًا داعمين لسياسات متشددة تجاه إيران ولإسرائيل.
هذا يضعف قدرتهم على إقناع الناخبين بضرورة تغيير الأولويات. فبينما يقترح ترامب ميزانية عسكرية ضخمة، يعاني المواطنون من ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات.
يقول بلاتنر:
“في الواقع، الناس يفهمون الأمر ببساطة: هل نريد إنفاقًا أكبر على المدارس والمستشفيات أم على القنابل؟”
ورغم ذلك، تستمر الحروب، وتستمر الأموال في التدفق إلى شركات السلاح، بينما يعاني المواطنون.
يضيف:
“إذا أراد الحزب الديمقراطي أن ينجح مستقبلًا، فعليه أن يكون حزبًا مناهضًا للحرب.”
لكن لماذا لا يتبنى هذا الموقف بوضوح؟
جزء من السبب هو المال السياسي وتأثير جماعات الضغط، وجزء آخر هو الخوف من الظهور بمظهر الضعف، خاصة لدى جيل قديم من السياسيين.
كما أن هناك خطابًا إعلاميًا وثقافيًا يمجد الحرب ويبرر التدخلات العسكرية، مما يعمق المشكلة.
يروي بلاتنر أنه عاد إلى أفغانستان عام 2018، ليجد أن الأمور لم تتغير: نفس العمليات، نفس الأخطاء، نفس الفشل. يقول:
“الذين يديرون الحرب لا يعرفون حتى هدفها… كانت حلقة مفرغة.”
ويطرح سؤالًا: كيف يمكن أن تبدو سياسة خارجية جديدة؟
الإجابة تبدأ بإنهاء الحروب المستمرة، وتقليص ميزانية الدفاع، والعودة للدبلوماسية، وإعادة بناء النظام الدولي على أسس التعاون، وليس الهيمنة.
لكن الأهم هو تغيير نظرة الأمريكيين للحرب نفسها. فنحن نحب أن نراها كعمل أخلاقي، بينما الواقع مختلف.
في ظل ترامب، سقط هذا القناع، وتحول الخطاب إلى تهديدات مباشرة وتفاخر بالقتل.
يقول بلاتنر:
“نحن مرضى نفسيا في علاقتنا بالسياسة… أصبح القتل معيارا للكفاءة السياسية.”
ويضيف:
“القائد الحقيقي هو من يفكر في تكلفة العنف، لا من يمارسه بسهولة.”
في النهاية، يشبه الكاتب الحروب الأمريكية بإمبراطورية متراجعة تنشر الفوضى، بينما يستفيد النخبة ويعاني الجنود والضحايا.
ويختم:
“الحرب المستمرة تدمر أمريكا من الداخل… وإذا أردنا إنقاذ أنفسنا، فعلينا كسر هذه الدائرة.”