ما يحدث داخل البنتاغون ليس مجرد خلاف عابر بين مسؤولين، بل قصة صراع نفوذ تتكشف تدريجيا في قلب المؤسسة العسكرية الأميركية، وفي توقيت بالغ الحساسية حيث تواجه الولايات المتحدة التزامات عسكرية غير مسبوقة حول العالم.
تبدأ القصة منذ الأيام الأولى لتولي وزير الجيش دان دريسكول منصبه، حين دخل مكتب وزير الدفاع بيت هيغسيث باقتراح يبدو عاديًا: تنظيم زيارة للرئيس ونائبه للقاء الجنود ومناقشة إصلاح الجيش. لكن الرد كان صادما؛ إذ انفجر هيغسيث غضبا، مؤكداً أنه صاحب القرار، وطالب دريسكول “بمعرفة حدوده”. كان ذلك المشهد المبكر كافيًا ليكشف أن العلاقة بين الرجلين لن تكون طبيعية.
مع مرور الوقت، لم يهدأ التوتر بل تحول إلى صراع مفتوح، خاصة مع سلسلة أزمات لاحقت هيغسيث نفسه، من تسريب خطط عسكرية حساسة إلى إقالة مساعديه، ما جعله في موقع دفاعي داخل الإدارة. وفي الخلفية، كان هناك قلق حقيقي لديه من أن دريسكول، المدعوم بعلاقته القوية مع نائب الرئيس، قد يكون بديلاً محتملاً له.
لكن اللحظة التي فجّرت الخلاف إلى العلن كانت إقالة الجنرال راندي جورج، أحد أبرز قيادات الجيش، بشكل مفاجئ ودون تفسير، بل عبر مكالمة هاتفية لم تستغرق دقيقة واحدة. لم يكن دريسكول حاضرًا، بل كان في إجازة، وعندما علم بالأمر عاد فورًا ليقف إلى جانب الجنرال المقال، في رسالة واضحة تعكس حجم الانقسام داخل القيادة.
الخلاف لم يكن فقط حول الأشخاص، بل امتد إلى قضايا أعمق تتعلق بطبيعة المؤسسة العسكرية نفسها. فقد حاول هيغسيث التدخل في قوائم الترقيات، مطالبا بحذف أسماء ضباط، بينهم نساء وضباط سود، وهو ما رفضه دريسكول بشكل قاطع، لتتحول الاجتماعات بينهما إلى مواجهات حادة تكشف عن صراع على هوية الجيش واتجاهه.
وفي خضم ذلك، زاد المشهد تعقيدا حين كُلّف دريسكول بمهمة التفاوض في أوكرانيا، وهي مهمة يفترض أن تكون من اختصاص وزير الدفاع، ما أثار تساؤلات داخل البنتاغون حول من يدير فعليًا الملفات الكبرى، وأعاد إشعال الغيرة والصراع بين الرجلين حيث يخشى هيجسيث من أن يقوم ترامب باختيار دريسكول كي يحل مكانه كوزير للحرب.
اليوم، لم يعد هذا الصراع. انتقل إلى الكونغرس، وإلى الإعلام، وأصبح موضوعا للنقاش داخل دوائر ترامب نفسها. البعض يرى أن هيغسيث يقود المؤسسة بعقلية شخصية وانتقامية، بينما يرى آخرون أنه يحاول إعادة تشكيل الجيش وفق رؤية جديدة. لكن المؤكد أن هذا الصراع يحدث في لحظة حرب، ما يجعل كلفته أكبر بكثير من مجرد خلاف إداري.
في النهاية، تكشف هذه القصة عن واقع أعمق:
المؤسسة العسكرية الأميركية، التي يفترض أنها الأكثر انضباطا في العالم، ليست معزولة عن الصراعات السياسية والشخصية. بل إن هذه الصراعات قد تصل إلى قمتها، وتؤثر في قرارات استراتيجية، في وقت لا يحتمل فيه العالم مزيدا من الارتباك.