فيس وتويتر

سمير زين العابدين يكتب :”قانون التصادم: ملحمة الوجود ودروع القيم”

في أعماق الكيان الإنساني، تدور رحى معارك صامتة لا تهدأ، صراعات تتأجج بين نقيضين لا يجتمعان: خيرٍ يطمح للسُمو، وشرٍ يشدّ القبضة نحو القاع؛ رغبةٍ جامحة يقابلها امتناعٌ حكيم، وشكٍ مريب يصارع يقيناً ثابتاً. إن هذه الجلبة الداخلية ليست إلا صدىً لترنيمة كونية كبرى، يُعزف لحنها على وتر “قانون التصادم”.
هذا القانون هو النبض الذي يحرك الوجود؛ نراه في علياء السماء حيث تتصادم النيازك وتتآكل الشهب على أعتاب الكواكب، ونلمسه في التجاذب والتنافر الذي يحفظ توازن الأجرام ومداراتها.
هو ذاته الذي يكتب فصول “البقاء للأقوى” في غابات الحيوان، ويدفع جذور النبات لتشق صخر التربة عنوة، ويحكم رقصة النيوترونات القلقة في قلب الذرة المتناهية الصغر.
ولم يكن البشر بمنأى عن هذا الناموس؛ فصراع المصالح هو المحرك الذي صاغ تاريخنا، ممتداً من مناوشات القبائل إلى هدير الجيوش وصخب الحروب العالمية. فالعالم، في جوهره، ساحة تدافع كبرى، والغلبة فيه ليست لمجرد القوة، بل لمن يمتلك “الدفاعات” الأكثر صموداً.
من رحم هذا التصادم الكوني، انبثقت “القيم الإنسانية السامية”؛ لم تكن يوماً ترفاً فكرياً، بل كانت ضرورة وجودية لتشكل ترساً واقياً ضد قوى الظلمة والشر القابعة في دهاليز النفس البشرية.
فكلما كانت هذه الدفاعات متينة، ومبنية على أساس من الحق والجمال، انتصر الإنسان في معركته الكبرى.
وهنا يجب أن ندرك أن هذه القيم الإنسانية، بشموليتها واتساعها، لا يمكن حصرها أو اختزالها في أطر العقائد الضيقة.
فالعقيدة، رغم رقيّ مقاصدها أحياناً، قد تتحول في لحظات التطرف إلى وقود لصراعٍ مرير يقتات على ثنائية الجنة والنار، مما يولد شروراً تقوض السلم الاجتماعي.
أما المجتمعات التي ارتقت فوق الانتماءات الضيقة، واتخذت من “الإنسانية” ديناً لمعاملاتها، فقد استطاعت أن تحول “قانون التصادم” من معول هدم إلى قوة بناء، محققةً سيادة الخير والجمال في أسمى صورها.
إننا لا نعيش لنلغي الصراع، بل لنهذبه بقيمنا، فتصبح دفاعاتنا هي هويتنا الحقيقية في وجه هذا الكون المتصادم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى