
يا مَن تركتَ الجرحَ مفتوحاً وسرتَ هنيّا،
أخبرني مَن الجاني، أنا أم أنتَ يا قضيّا؟
أأنا أخطأتُ لأني أحببتُ بكلِّ كياني،
وسكبتُ روحي في كفَّيكَ وناديتُكَ مُنيّا؟
أم أنتَ أخطأتَ إذ تركتَني في نصفِ الدربِ،
وولَّيتَ ظهرَكَ للعهدِ كأن لم يكُ شيّا؟
كسرتَ قلبي بيدٍ باردةٍ لا ترتجفُ،
كأنَّ ما بيننا كانَ غباراً في الهوا يُعصَفُ،
رحلتَ وخلَّفتَ في صدري خرائبَ موحشةً،
وما التفتَّ، وما سألتَ، وما رفَّ لكَ شَرَفُ،
أتمشي في دنياكَ مرفوعَ الرأسِ مطمئنّاً،
وأنا في غيابِكَ أُحترِقُ ولا أُطفَأُ ولا أَكُفُّ؟
ما دريتَ ماذا صارَ لي بعدَما غِبتَ عنّي،
صارَ الليلُ بلا نهايةٍ وصارَ النهارُ يُعنّي،
صرتُ أمشي كالميِّتِ بين الأحياءِ خطواتٍ،
جسدٌ يتحرَّكُ بلا روحٍ ولا معنى ولا أُمنيّ،
قلبٌ في صدري يدقُّ؟ لا، بل توقَّفَ منذُ رحلتَ،
ودمٌ يجري في عِرقي؟ نعم، لكنَّه يجري حزنيّ،
كنتُ بحراً فجعلتَني صحراءَ بلا قطرةٍ،
كنتُ نوراً فأطفأتَني وتركتَني في الظُّلمةِ أعمى،
كنتُ أغنيةً تملأُ الدنيا وها أنا صمتٌ،
كنتُ حياةً كاملةً وصرتُ بعدَكَ اسماً فقط، اسما،
أعطيتُكَ كلَّ ما فيَّ حتى لم يبقَ شيءٌ،
فأخذتَ كلَّ شيءٍ ورحلت َهاجر، ولم تتركْ لي إلا الألما،
فاسمعني يا غائباً يسكنُ في عِرقي رغمَ الغيابِ،
جُرحُكَ لا يُشفى، وذِكرُكَ لا يُمحى، وأنتَ لا تُحتسَبُ،
سأحملُ هذا الكسرَ وأمشي، لا لأنني قويٌّ،
بل لأنَّ الوقوفَ أمامَكَ يعني أنَّكَ قد انتصبَ،
وستعلمُ يوماً حينَ تبحثُ عنّي فلا تجدُني،
أنَّكَ أضعتَ الكنزَ بيدِكَ وما بكيتَ وما ندِبَ،
يومَها ستعرفُ الجوابَ على سؤالِكَ القديمِ:
الجاني أنتَ، أنتَ وحدَكَ، وما كنتُ أنا المُذنِبَ.