كتاب وشعراء

الميكروباص …..بقلم بدوي الدقادوسي

يمر الوقت سريعا، المقاعد المشغولة أقل من الفارغة ولن يتحرك السائق إلا إذا اكتمل العدد، الشمس مولودة بكامل عنفوانها، الحرارة والرطوبة جعلا الميكروباص مقبرة، الوقت سيف مسلط على رفبة راتبي، تبقى ثلاثة مقاعد، تطوع الشاب الجالس بجواري طالبا من السائق التحرك وسنتشارك في دفع أجرتها، اعتبر السائق صمت الركاب موافقة، ما إن أدار مركبته حتى نادى تابعه : الأجرة، أنهى عد حصيلته ابتسم حين رآها كاملة ، ثلة على الطريق تشير للسائق في لهفة : “ساعوا بعضكم ياجماعة الناس غلابة ومتأخرة على شغلها” .
ما إن تحرك الباص بالجثث المتراصة حتى أشارت ثلة أخرى ، تحدث بلهجة واعظ : ” ساعوا بعضكم ياجماعة اعملوا خير عالصبح “.
همس الشاب في أذني : أليس من الذوق أن يرد لنا ما دفعناه فوق أجرتنا ؟
أجبت سؤاله بسؤالين : ألست صاحب الاقتراح ؟ لماذا لا تطلبها منه؟
بصوت جهوري : ” ياسطى مش ترجع للناس فلوسها ؟ حدجه السائق من خلال المرآة قال باستهجان مفتعل ” أنت فاهم الكلام اللي بتقوله ؟ عقلته قبل ما تتكلم ؟” اللي أوله شرط آخره نور.
سرت غمغمة بين الجالسين، زاد السائق من حدته وقال بلهجة حازمة ” بطلوا هري ” أنتو لكو توصلوا بالسلامة ” .
توقف فجأة أمام عربة تصنع القهوة بهدوء طلب فنجانه وقف ينتظر انتهاء العامل من صنعها ،زادت الهمهمة ،احتد السائق بعد أن تسلم طلبه : ” القهوة دي مش عشاني دي عشانكوا انتو ، لازم أصحصح وأفوق للطريق ، أنا مسؤول عن أرواح ” .
تشاغلت بهوايتي غير المفضلة ،فتحت تطبيق الحاسبة ، وصلت للنتيجة التي أصل لها كل مرة ، بضيق أغلقت التطبيق،انتقلت لمقاطع ” الريلز ” قفز مقطع لذلك الإعلامي اللزج ” احنا عارفين دلوقتي خريطتنا في باطن الأرض اعتبارا من عام ٢٠٢٠ نصل لذروة الثراء مرجان ياقوت اديني بكثافة اديني غاز بكثافة اديني بترول بكثافة ذهب بكثافة دا الخير ” .
ابتسم الشاب الذي يشاركني المشاهدة بلا إذن : هل تسمع لهذا الرجل ؟
– لا، ولكني أقلب فقفز المقطع أمام عيني .
ابتسم قائلا : هذا الجهاز الذكي يتجسس علينا، لأنك فتحت تطبيق الحاسبة لتحسبب التزاماتك التي هزمت راتبك هزيمة مخزية فجاء لك بهذا المقطع، إنني أحيانا أحدث نفسي بشراء قميص فأجد إعلانات جوجل كلها عن القمصان .
أجبت راغبا في إنهاء حديثه : ” ويخلق ما لا تعلمون ” أكمل غير محترما رغبتي : أنا طبيب تخرجت من عامين أعمل في التأمين الشامل أي خدمة ؟ شكرته ولم أرفع عيني عن الجوال ” لاجئون سودانيون أشعلوا النيران في جراج بمنطقة العشام في مدينة الزقازيق مما تسبب في حرق عدد من سيارات المواطنين ”
ابتسم الشاب الذي ما زال يشاركني جوالي : ألا ترى هذا التشابه الصارخ بين ما تفعله الحكومة وما فعله هذا السائق الجشع ؟ لمح في نظرتي دهشة ، السائق ادعى أنه ألحق ركاب الطريق بسيارته مكتملة العدد شفقة عليهم وإنقاذا لهم وأخذ أجرة لا يستحقها وتركنا نعاني التكدس والحكومة تأخذ أموال مفوضية اللاجئين ولم تنفق منها مليما عليهم وأطلقتهم علينا يزاحموننا رزقنا المحدود .
قلت وعيني على ساعة الجوال ” ربنا يولي من يصلح ” .
السيارة تترنح والسائق يحاول تفادي ” توكتوك ” انشقت الأرض عنه، كبح السيارة بكل قوته، سقطت سيدة فاصدم صدرها بركبتي الشاب الجالس على كنبة خلف السائق وارتطمت رأسها بذقنه فأصيب لسانه بجرح نظرت نحوه السيدة بحزن وهي تعدل من طرحتها بيد مرتجفة شعرت من ارتجافتها أنها تكفن بطرحتها جثة حرمتها التي قتلت .
عاودت النظر بجوالي الذي انتبهت على سقوطه حينما أمسك الطبيب بيدي وقد انكسر الكرسي القلاب المجاور للباب نصف المغلق في لمح البصر كان جسد الطبيب ينزف على الأرض ، التقطت جوالي ،خطوت خارج الباص وقد سبقني السائق ، أسقط في يده يقلب عينيه بين الطريق والجسد النازف، نظرت للغارق في دمه بأسى ووجع ، تذكرت الموعد الذي حدده المدير لرفع
دفتر الحضور، رجعت للخلف خطوتين ، أشرت لميكروباص بطريقه للمدينة ،ألقيت نفسي بداخله ، أنفاسي تتلاحق والدم النازف من فم الطبيب يرعبني رفعت عيني أصبت بذهول أنهم نفس الأشخاص الذين تركتهم حول النازف مددت يدي للجالس بجواري أناوله الأجرة ، ألجمتني المفاجأة : ألست الطبيب الذي سقط غارقا في دمه منذ دقائق ؟
ربت على كتفي مبتسما : اهدأ يا أخي ، فلقد نجحوا في أن يجعلوا كل الشعب يهذي ..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى