
عادَ صلاحُ الدِّينِ…
ولم تكنْ عودتُهُ عودةَ رجلٍ من زمنٍ مضى
بل كأنَّ التاريخَ انفجرَ من جديدْ
وكأنَّ القرونَ كلَّها قامتْ من نومِها دفعةً واحدةْ.
عادَ وفي قبضتِهِ مفتاحُ القدسْ…
لا مفتاحُ بابٍ
بل مفتاحُ كرامةٍ أُغلِقَ عليها بالقهرْ
ومفتاحُ أرضٍ تعلّمت أن تُسلبَ كلَّ يومٍ باسمِ الصمتْ.
وفي صدرهِ أسماءُ الشهداءِ…
لا كذاكرةٍ تُروى
بل كراياتٍ لا تسقطْ
تصفعُ النسيانَ كلّما حاولَ أن يتنفسْ.
في مطارِ الذكرياتِ أوقفوهْ…
قالوا: قدِّم تصريحَ العبورْ
إلى حاضرٍ مُصادَرْ
إلى زمنٍ مُقنَّنْ
إلى وطنٍ يُقاسُ فيهِ الإنسانُ بميزانِ الخضوعْ.
فرفعَ رأسَهُ…
وقال بصوتٍ يشبهُ انهيارَ جدارٍ قديمْ:
“أنا لا أستأذنُ إلى الأرضِ التي سُقيتْ بدمائي…
أنا الأرضُ حين تثورْ”
فتراجعَ الحاجزْ…
لكنَّ الخوفَ لم يتراجعْ
لأنَّ الأبوابَ التي تُفتحُ بالقوةِ
تُغلقُ بالوعيِ الذي لا يُكسرْ.
ومرَّ على القدسِ…
فرآها ليست مدينةً فقط
بل ساحةَ صراعٍ بين الحياةِ والمحوْ
بين الذاكرةِ والطمسْ
بين الإنسانِ ومن يحاولُ سرقةَ اسمهْ.
رأى الغاصبَ الصهيوني يمدُّ سلطتَهُ على الهواءْ
يكتبُ الخرائطَ فوقَ الجراحْ
ويحاولُ أن يجعلَ الحجرَ ينسى صاحبهْ.
فاشتعلَ فيهِ الدمْ…
لكن ليس غضباً عابراً
بل وعيٌ يتحوّلُ إلى زلزالْ.
وقال:
“هنا لا تُكتبُ الحكاياتُ بالحبرْ
بل تُنتزعُ بالقوة
هنا لا مكانَ لمن يسرقُ الشمسَ ويزعمُ أن الليلَ ملكُهْ”
ثم ارتفعَ صوتهُ في القدسْ…
فاهتزَّتْ الجدرانُ
لا خوفاً
بل استيقاظاً.
وصاحَ:
“يا من بقيتمْ تحتَ الركامْ…
الحريةُ لا تُمنحْ
الحريةُ تُنتزعْ
والأرضُ لا تُستعادُ بالدعاءِ وحدهْ
بل بالسيف الذي يكسرُ ميزانَ القهرْ”
ومضى…
لا كعائدٍ من زمنٍ قديمْ
بل كشرارةٍ خرجتْ من رمادِ صبرٍ طويلْ
تبحثُ عن نارٍ أكبرْ.
ومضى يستنهضُ الهممَ لفتحٍ جديدْ
فتحٍ لا يشبهُ الماضي إلا في دمهِ الصادقْ
لكنّهُ هذه المرّة لا يبدأُ من سيفٍ فقط
بل من وعيٍ يُسقطُ العروشَ التي تسكنُ العقولْ.
وقال وهو يمضي:
“إذا سقطتْ القدسُ في الداخلْ…
سقطَ كلُّ شيءٍ خارجَها
وإذا نهضتْ في القلبْ…
انهارَ كلُّ احتلالٍ مهما طالْ”
ومضى…
وخلفهُ لم يبقَ صدى
بل بدايةُ زلزالٍ لا يُوقفْ.