كتاب وشعراء

قراءة في كتاب أشرطة تسجيل صدام ….بقلم: عمرو صابح

يصعب الاقتراب من تاريخ العراق الحديث دون التوقف طويلًا أمام شخصية صدام حسين؛ تلك الشخصية التي جمعت بين التأثير الواسع والجدل الحاد، فصارت واحدة من أكثر الشخصيات العربية حضورًا وإثارة للنقاش في النصف الثاني من القرن العشرين. حكم العراق رسميًا منذ عام 1979 حتى عام 2003، غير أن نفوذه الفعلي سبق ذلك بسنوات طويلة، حين كان أحد أبرز صانعي القرار داخل حزب البعث العربي الاشتراكي بعد وصوله إلى السلطة عبر انقلاب 17 يوليو 1968.
في ذلك اليوم، نجح حزب البعث في الاستيلاء على الحكم في العراق، في انقلاب أطاح بالسلطة القائمة وأسس لمرحلة سياسية جديدة تمامًا في البلاد. لم يكن صدام حينها في قمة الهرم السياسي، لكنه كان حاضرًا داخل الدائرة التنظيمية الضيقة للحزب، وبدأ تدريجيًا في تعزيز موقعه داخل بنية السلطة الجديدة. ومع تثبيت حكم البعث، أخذ نفوذه في التوسع، خاصة عبر الجهاز الأمني للحزب، حتى أصبح من أكثر الشخصيات تأثيرًا داخل النظام، رغم بقاء أحمد حسن البكر رئيسًا رسميًا للدولة. ومع الوقت، تحولت مراكز القوة الفعلية نحو صدام، الذي كان يدير ملفات حساسة ويعيد تشكيل موازين القرار من خلف الكواليس.
وُلد صدام عام 1937 في تكريت في بيئة ريفية قاسية، شكّلت ملامح شخصيته المبكرة. ومنذ شبابه انخرط في العمل السياسي المرتبط بحزب البعث، وشارك في نشاطات سرية ومحاولات انقلابية وصراعات سياسية مبكرة، قبل أن يجد طريقه إلى داخل بنية الدولة بعد 1968.
في يوليو 1979، تنحى أحمد حسن البكر عن السلطة، وانتقل الحكم رسميًا إلى صدام حسين، لتبدأ مرحلة امتدت قرابة ربع قرن، شهدت تحولات عاصفة في تاريخ العراق والمنطقة: الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت من 1980 إلى 1988، ثم غزو الكويت عام 1990 وما تبعه من حرب الخليج 1991، ثم سنوات طويلة من العقوبات الدولية، وأخيرًا انهيار النظام مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
لكن هذه الأحداث الكبرى، رغم وضوحها في السرد التاريخي، لم تكشف بالضرورة ما كان يجري داخل الغرف المغلقة لصناعة القرار. ظل الداخل العراقي محاطًا بالغموض، حتى ظهرت لاحقًا أشرطة تسجيل سرية لاجتماعات القيادة العراقية، كاشفة جانبًا غير مألوف من بنية السلطة وطريقة تفكيرها.
بعد سقوط بغداد في أبريل 2003، شرعت القوات الأمريكية في جمع أرشيف النظام العراقي السابق من القصور الرئاسية ومقار الحزب والأجهزة الأمنية، حيث تم العثور على آلاف الوثائق والأشرطة الصوتية التي وثقت اجتماعات القيادة العليا. لم يكن هذا التسجيل أمرًا عارضًا، بل كان جزءًا من ممارسة مؤسسية داخل النظام تهدف إلى التوثيق والأرشفة، كما هو شائع في بعض الأنظمة ذات البنية المركزية الصارمة. وقد نُقلت هذه المواد لاحقًا إلى الولايات المتحدة، حيث خضعت للتحليل والترجمة ضمن مشاريع بحثية مرتبطة بوزارة الدفاع، وظهرت في كتب من أبرزها كتاب أشرطة تسجيل صدام.
تكتسب هذه الأشرطة أهميتها من كونها تكشف النظام وهو يتحدث بلغته الداخلية، بعيدًا عن الخطاب الإعلامي والشعارات السياسية. فهي لا تقدم رواية رسمية، بل لحظات تفكير حقيقية داخل دوائر القرار.
وتظهر هذه التسجيلات أن النظام العراقي كان مثالًا واضحًا لما يُعرف في علم السياسة بالنظام المركزي الفردي، حيث لا تعمل الدولة كمؤسسات مستقلة، بل كمنظومة تدور حول مركز واحد هو الرئيس. ففي الاجتماعات المسجلة، يبدأ النقاش عادة بتقارير يقدمها الوزراء أو القادة العسكريون، لكن ما يحدد اتجاه النقاش فعليًا هو تدخل الرئيس صدام حسين نفسه، الذي يعيد صياغة المشكلة ويضع الإطار الذي يجب أن تُفهم داخله. لا يعني ذلك أن الآخرين لا يناقشون، لكن حدود النقاش كانت تتحرك داخل نطاق محدد سلفًا، بينما تبقى الكلمة النهائية للقائد.
ومن السمات اللافتة في هذه الاجتماعات أن الخوف لا يظهر في شكل تهديد مباشر، بل يتجلى في اللغة نفسها. فالمسؤولون يتحدثون بحذر شديد، ويبدؤون مداخلاتهم غالبًا بعبارات تؤكد الولاء، وكأن السلطة لا تحتاج إلى تهديد معلن بقدر ما تحتاج إلى بنية نفسية تجعل الحذر جزءًا من الخطاب اليومي. وهنا يصبح الخوف ليس نتيجة عقوبة مباشرة فقط، بل نتيجة طبيعة النظام نفسه.
وتكشف الأشرطة أيضًا كيف لعبت تجربة الحرب العراقية الإيرانية دورًا محوريًا في تشكيل رؤية صدام حسين للعالم. فالحرب الطويلة التي امتدت ثماني سنوات أعادت صياغة طريقة التفكير السياسي والعسكري، وأدخلت مفاهيم مثل ميزان القوى، والردع، والصمود، والحرب النفسية إلى قلب النقاشات الداخلية. العالم لم يعد يُرى كمنظومة قانونية مستقرة، بل كساحة صراع دائم بين قوى متنافسة.
وفي هذا السياق، تظهر إيران باعتبارها الخصم الاستراتيجي الأكبر، حيث كانت تُقرأ في الاجتماعات كقوة تسعى إلى تغيير ميزان المنطقة وليس مجرد حل نزاع حدودي. أما الكويت، فقد تحولت في الخطاب الداخلي من ملف اقتصادي يتعلق بأسعار النفط إلى قضية سياسية حادة، تتعلق بحقوق العراق في الكويت، خاصة مع اعتقاد القيادة العراقية أن سياسات الكويت النفطية تشكل ضغطًا مباشرًا على العراق الخارج من حرب مرهقة. هذا التصور كان أحد العناصر التي ساهمت في تصعيد الأزمة التي انتهت بالغزو.
أما السعودية، فقد بدت في نظر القيادة العراقية حليفًا حذرًا، يرتبط موقفه بشكل وثيق بالسياسة الأمريكية، وهو ما ازداد حساسية بعد حرب الخليج الثانية ووجود القوات الأمريكية على أراضيها، الأمر الذي غيّر من معادلات الثقة الإقليمية. وفي المقابل، كانت مصر تُستحضر بوصفها القوة العربية التاريخية، خاصة في عهد جمال عبد الناصر، رغم الانتقادات الموجهة لسياساتها بعد اتفاقية كامب ديفيد.
وعلى المستوى الدولي، كانت الولايات المتحدة تُرى كقوة لا تحكمها الصداقات بقدر ما تحكمها المصالح، بينما كان يُنظر إلى الاتحاد السوفيتي بوصفه عنصر توازن عالمي قبل انهياره في بداية التسعينيات، وهو الانهيار الذي ترك العراق في حالة عزلة استراتيجية متزايدة. أما إسرائيل، فقد كانت حاضرة في النقاشات باعتبارها خصمًا بعيدًا لكنه مؤثر في ميزان القوى، خاصة بعد الضربة الجوية للمفاعل النووي العراقي عام 1981.
ومن أكثر العبارات دلالة في هذه التسجيلات قول صدام إن قيمة السلاح ليست في استخدامه فقط، بل في أن يعرف العدو أنك قادر على استخدامه، وهي عبارة تختصر منطق الردع النفسي الذي كان حاضرًا بقوة في تفكير القيادة.
وتكشف المقارنة بين الخطاب العلني والخطاب الداخلي عن فجوة واضحة؛ في الإعلام كانت اللغة مليئة بالشعارات والتعبئة، بينما داخل الاجتماعات كانت اللغة أكثر براغماتية وتركيزًا على الحسابات الاستراتيجية. هذه الازدواجية تعكس طبيعة الأنظمة السلطوية التي تستخدم الخطاب العام كأداة تعبئة، بينما تُدار السياسة الفعلية في دوائر مغلقة.
تقدم هذه الأشرطة صورة لنظام شديد المركزية تدور فيه الدولة حول شخص واحد، حيث تتحول المؤسسات إلى أدوات تنفيذ، ويصبح تفسير القائد للعالم جزءًا أساسيًا من صناعة القرار. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: فكلما زادت صلابة هذا النوع من الأنظمة في ظاهرها، زادت هشاشتها في العمق، لأنها تعتمد على دقة تقدير فرد واحد، وعندما يخطئ هذا التقدير، لا يكون الخطأ مجرد قرار سياسي، بل يتحول إلى التأثير على مصير ومستقبل شعب كامل. عرض أقل
عماد خالد رحمة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى