خرائط الخراب الداخلي في قصيدة “المشي داخل رأس محترق”للشاعر السوري زكريا شيخ أحمد/ بقلم محمد وليد يوسف

خرائط الخراب الداخلي في قصيدة “المشي داخل رأس محترق”للشاعر السوري زكريا شيخ أحمد
بقلم محمد وليد يوسف
ثمة نصوص تُقرأ بوصفها تجربة لغوية و ثمة نصوص أخرى تبدو كأنها عبور طويل داخل جهاز عصبي مكشوف.
هذا النص ينتمي إلى النوع الثاني؛ إذ يضع القارئ داخل وعيٍ متشظٍ يرى العالم من خلال احتراقه الشخصي فيتحول الكون كلّه إلى امتداد للحزن و تغدو الأشياء اليومية كائنات قلقة تحمل ندوبها الخاصة.
العنوان منذ اللحظة الأولى يفتح باب التأويل على فضاء نفسي خانق:
“المشي داخل رأس محترق” .
الفعل هنا يحمل دلالة الاستمرار و التورط و كأن الذات محكومة بالإقامة داخل هذا الاحتراق، تتحرك فيه و تتعثر بجدرانه.
الرأس ليس موضع التفكير فقط و إنما مكان الخراب ذاته
لذلك تأتي القصيدة كرحلة داخل عقل فقد استقراره و مع ذلك ما يزال يمتلك حساسية عالية تجاه العالم.
يفتتح النص بمشهد يسبق “تكوّن الجهات” و هي عبارة تمنح القصيدة طابعاً كونياً مبكراً حيث يبدو المتكلم معلقاً في منطقة تسبق المعنى و الاتجاه و الزمن المألوف.
منذ هذه البداية تتشكل العلاقة بين الجسد و الكون بوصفها علاقة إنهاك متبادل:
“كنت أجرُّ جسدي كأنّي أسحب ورائي
مدينةً غارقةً في نوم المعادن”
الجسد هنا يفقد فرديته و يتحوّل إلى حطام حضاري كامل.
المدينة النائمة داخل المعادن توحي بالجمود و البرودة و الاختناق و كأن التعب أقدم من الإنسان نفسه.
واحدة من أهم خصائص النص تكمن في قدرته على تحويل المجرد إلى كائن حي. الوقت ينقر على العظام، الظلام يخفي الأرواح، اليابسة تكتم البحر في عظامها، الذكريات تفتح أفواهها.
العالم بأسره يتحرك داخل القصيدة بوصفه كائناً عصبياً يتألم و يتذكر و يخاف.
هذه التقنية تمنح النص كثافة شعورية عالية و تجعل الصور متصلة بالحالة النفسية اتصالا عضوياً.
مقطع الطفولة يشكل نقطة محورية في البنية الداخلية للقصيدة.
مشهد الأم و الخبز و الطيور يبدأ بإيقاع حميمي هادئ، ثم ينقلب فجأة إلى اكتشاف مبكر لقسوة الوجود:
“رأيتُ مرّةً عصفوراً ميتاً
و قد امتلأت عيناه بالقمح”
الصورة هنا تمتلك قوة استثنائية؛ إذ يتحول القمح، رمز العطاء وا لحياة، إلى تفصيل جنائزي.
و من هذه اللحظة تحديداً يبدأ خوف المتكلم من الأشياء الطيبة و كأن التجربة الأولى مع العالم كشفت له أن الجمال يحمل داخله بذرة الفقد.
النص يتحرك باستمرار بين السريالي و الحميمي.
في مقطع “بائع الأعمار المستعملة” يدخل القارئ منطقة حلمية غرائبية و مع ذلك يبقى الألم إنسانياً و قريباً.
الوجه الأقل خراباً الذي يقدمه البائع يشير إلى الذات قبل تشكل الندوب، قبل اللغة نفسها:
“هذا أنتَ قبل أن تتعلّمَ الكلام”
الجملة تمتلك عمقاً نفسياً واضحاً ؛ فاللغة تظهر هنا باعتبارها بداية الوعي بالألم و بداية الانفصال عن البراءة الأولى.
القصيدة في جوهرها منشغلة بفكرة الانقسام الداخلي.
الشخص الذي يحاول الخروج من الوجه، الطفل المختبئ خلف القلب، الأصوات التي تسكن الرأس، جميعها تشي بذات متعددة و ممزقة. لهذا يبدو المتكلم كأنه يعيش في حالة مطاردة مستمرة مع نفسه.
و من أكثر المقاطع اكتمالاً من الناحية الشعرية ذلك المشهد الذي تظهر فيه المرأة التي تخيط الثقوب التي تتركها الأرواح.
المشهد يمتلك بناءً بصرياً و سينمائياً لافتاً خصوصا مع “الإبرة المصنوعة من الضوء” و”الخيط المصنوع من أصوات الأمهات عند الفقد”.
ثم يصل المقطع إلى ذروته الإنسانية حين تكتشف المرأة الطفل المختبئ خلف القلب:
“لقد كبرتَ و تركتَه هناك وحده”
هنا يتخلى النص عن الزخرفة الكثيفة و يصل إلى جملة عارية و مؤلمة، لذلك يترك أثراً عميقاً.
على المستوى الإيقاعي يعتمد النص على الجملة الطويلة المتدفقة مع توقفات مدروسة تمنح القراءة تنفساً داخليا.
كما أن التقطيع بين المقاطع حافظ على وحدة المناخ النفسي و أعطى كل جزء استقلاله الجزئي دون تفكك البناء العام.
أما لغوياً فالنص يمتلك قاموسه الخاص:
الرماد، الخراب، العظام، الضوء، الطفولة، المطر، الأصوات، الفراغ.
هذه المفردات تتكرر ضمن تحولات مختلفة، فتخلق ما يشبه النسيج الداخلي للقصيدة.
و رغم اقتراب النص من مناخات الشعر الوجودي الحديث و تأثره الواضح بالحساسية الكونية التي ظهرت في تجارب شعرية معاصرة فإن القصيدة تحتفظ بنبرتها الخاصة و صوتها الداخلي المميز.
ثمة فرق واضح بين التأثر بوصفه انفتاحاً جمالياً و بين الذوبان داخل أصوات الآخرين. نص زكريا شيخ أحمد ينجح في الحفاظ على فرادته عبر طريقته الخاصة في تركيب الصورة و ربط المجاز بالحالة النفسية مباشرة بحيث تبدو الاستعارة امتداداً للعصب الداخلي للنص و ليست تمريناً لغوياً منفصلاً عنه.
فالصور هنا لا تعمل كزينة بلاغية و إنما تتحرك ضمن شبكة متماسكة من الرموز: الاحتراق، الطفولة، الخراب، الذاكرة، الجسد و الفقد.
هذه العناصر تتكرر بصيغ متعددة فتخلق ما يشبه المناخ العضوي الذي تتنفس داخله القصيدة.
لذلك تبدو الجمل وكأنها صادرة من مركز شعوري واحد حتى في أكثر المقاطع سريالية و غرابة.
و يظهر تميّز الصوت الشعري خصوصاً في قدرة النص على الجمع بين البعد الكوني و الجرح الإنساني الحميم.
إذ ينتقل الشاعر من صور ذات طابع تجريدي واسع إلى لحظات شخصية شديدة العري مثل مشهد الطفل المختبئ خلف القلب أو خوفه المبكر من الأشياء الطيبة بعد رؤية العصفور الميت.
هنا تتراجع الفلسفة لصالح ألم إنساني صافٍ فتكتسب القصيدة صدقها العاطفي العميق.
كما يمتلك النص قدرة لافتة على إنتاج جمل شعرية مكتملة الأثر من النوع الذي يظل عالقاً في ذاكرة القارئ
مثل:
“الحياةُ فكرةٌ صغيرةٌ
تخطر للكائنات حين تتعب من الفراغ”
أو:
“لأوّل مرّة أرى ماءً يخافُ من العطش”
هذه الجمل تحمل رؤية شعرية متكاملة و تكشف عن شاعر يعرف كيف يحوّل التأمل الفلسفي إلى لغة نابضة بالحساسية و التوتر.
و مع هذا الثراء التصويري تظهر أحياناً كثافة مجازية مرتفعة تجعل بعض المقاطع مزدحمة بالتوتر البلاغي خصوصاً حين تتوالى الصور القوية داخل مساحة قصيرة. غير أن هذه الكثافة نفسها تمنح النص هويته الانفعالية الخاصة و تنسجم مع طبيعة القصيدة بوصفها رحلة داخل وعي محترق و مضطرب.
النص:
المشي داخل رأس محترق . . .
في الممرِّ الذي يسبقُ تكوّنَ الجهات
كنت أجرُّ جسدي كأنّي أسحب ورائي
مدينةً غارقةً في نومِ المعادن
و كان الوقتُ ينقرُ على عظامي
بمطرقةٍ صنعتها آلهةٌ
فشلتْ في اختراعِ الرحمة .
لم أكنْ أفكّر بالحياة…
الحياةُ فكرةٌ صغيرةٌ
تخطر للكائنات حين تتعب من الفراغ
كنت أفكّر كيف استطاع الظلام
أن يخفي هذا العددَ الهائل من الأرواح
في جيبِ ذرّة؟
•••••••••••
في طفولتي
كانت أمّي تضع الخبزَ قرب النافذة
كي تأكلَ الطيورُ معنا ،
لكنّني رأيتُ مرّةً عصفوراً ميتاً
و قد امتلأتْ عيناهُ بالقمح،
ففهمتُ متأخراً
أنّ الجوعَ أيضاً
يمكنه أن يرتدي هيئةَ معجزة .
منذ ذلك اليوم
صرت أخاف من الأشياء الطيّبة ،
أخافُ من الأبوابِ المفتوحةِ كثيراً
و من الموسيقى التي تشبهُ الغفران
و من الوجوهِ التي تبتسمُ
كأنّها لا تخفي مقبرةً في الداخل.
••••••••••••••
في ليلةٍ…
كنتُ أعبرُ حلماً
رأيتُ رجلاً يبيع أعماراً مستعملة
على رصيفٍ مهجور
و كان ينادي بصوتٍ أجشّ :
“من يريدُ طفولةً لم تُستهلكْ بالكامل؟
مَن يريدُ أمّاً إضافيةً تبكي عليه مرّتين؟”
اقتربتُ منه…
ناولني وجهاً يشبهني،
لكنّه كان أقلَّ خراباً.
قال:
“هذا أنتَ قبل أن تتعلّمَ الكلام.”
سألته: كم ثمنه؟
ابتسمَ بحزنٍ و أشارَ إلى قلبي.
••••••••••••
أحياناً أشعر أنّ جسدي
مجرّدُ شائعةٍ اخترعها التراب
و أنّني في الحقيقة شيءٌ آخر
نسيَ اللهُ اسمَهُ في أوّلِ الخليقة.
لذلك
كلّما نظرتُ إلى المرآة أرى شخصاً
يحاولُ الخروجَ من وجهي
دون أن ينجح.
••••••••••••••
البارحة
سمعت نهراً يتحدّثُ أثناء نومه
كان يقولُ للحجارة:
“لا تصدّقوا اليابسة …
إنها تخفي البحرَ في عظامها.”
ثم بكى.
لأوّل مرّة أرى ماءً يخافُ من العطش.
••••••••••••
و في مدينةٍ تُضاءُ بمصابيحَ من صدأ
التقيتُ امرأةً
تخيطُ الثقوبَ التي تتركها الأرواحُ
حين تغادرُ أجسادَها فجأة.
كانت تضعُ في حجرها إبرةً طويلةً من ضوء
و خيطاً مصنوعاً
من أصواتِ الأمهاتِ عند الفقد.
قالت لي:
“تعال.”
فتحتْ صدري كما تُفتحُ نافذةٌ على عاصفة
و أخرجتْ طفلاً كان نائماً خلفَ قلبي.
قالت:
“هذا هو سببُ حزنك. …
لقد كبرتَ و تركتَه هناك وحده .”
•••••••••••••••••
منذ أيّام و أنا أمشي داخلَ رأسي
كأنّه بيتٌ احترقتْ غرفُه
كلُّ فكرةٍ ألمسُها تتحوّلُ إلى طائرٍ مذعور
و كلُّ ذكرى تفتحُ فمها و يخرجُ منها قطارٌ
محمّلٌ بأصواتِ الذين رحلوا
دون أن يُغلقوا الباب خلفهم.
••••••••••••••
يا لهذا الكون…
كم يبدو هائلاً
حين ننظرُ إليه من الخارج
و كم يبدو ضيّقاً
حين نحاول أن نضعَ فيه
قلباً واحداً فقط.
أنا الذي حملتُ خرابَ سلالاتٍ كاملةٍ
في تجعيدةِ يد
و أطعمتُ وحدتي من صحونِ المجرّات
ما زلتُ كلّما هطل المطرُ أشعرُ أنّ السماء
تتذكّرُ شيئاً
و تبكي.
••••••••••••
الآن أجلسُ على حافةِ نفسي
و أراقبُ العالم و هو يبدّلُ جلدهُ
مثلَ أفعى عجوز.
الحروبُ تعبرُ الشوارعَ بأحذيةٍ لامعة،
و الأطفالُ يكبرون بسرعةِ الرصاص
و الأغاني تخرجُ من الحاناتِ
و عليها آثارُ ضرب.
أما الصوتُ الأول …
فأشعرُ أحياناً
أنه يجلسُ في مكانٍ بعيد،
منهكاً كعازفِ كمانٍ أضاعَ النوتةَ الأخيرة
للكون.
•••••••••••••
و مع ذلك…
ما زلتُ حين ألمحُ شجرةً وحيدةً
في آخرِ الخراب
أشعرُ أنّ الحياة ….
تحاولُ الاعتذار .