
تأبَّطتُ ظلي ومشيتُ
كما كانَ المتنبّي يقولُ في خلوتهِ: على قلقٍ كأنَّ الريحَ تحتي،
غيرَ أنّ الريحَ هنا ليستْ تحتَ قدمي
بل في داخلي،
تدفعني من ضلعٍ إلى ضلعٍ كأنني سفينةٌ بلا مرساة.
أحملُني كما كانَ طرفةُ بنُ العبدِ يحملُ وصيّتَه إلى الفناء،
وأمشي على طرقٍ
تشبهُ سرابَ الأعرابِ في صحراءِ لا تنتهي،
كلما ظننتُ أنَّ الماءَ اقتربَ
تبخّرَ كبيتِ شعرٍ لم يُكتَبْ له البقاء.
تأبَّطتُ ظلي ومشيتُ
وكانتْ لي في كلِّ خطوةٍ
أثرُ قديمٍ لامرئِ القيسِ وهو يعلّقُ قلبَه على أطلالِ الحِمى،
كأنني أقفُ على أطلالي كلَّ يومٍ
وأخاطبُها: قِفا نبكِ… ولا أحدَ يقفُ.
في المدنِ
رأيتُ عنترةَ يجرُّ درعَه المثقوبَ من كثرةِ الهزائمِ المؤجلة،
ورأيتُ زهيرةَ البيداءِ
تبيعُ صبرَها للريحِ كي لا تموتَ عطشًا.
حتى الحطيئةُ مرَّ بي هامسًا:
متى يشتفي من لا ينامُ على وترٍ؟
تأبَّطتُ ظلي ومشيتُ
فإذا الطريقُ معلّقٌ بينَ جاهليّةٍ لا تنقضي وحداثةٍ لا تكتمل،
كأنَّ الزمنَ بيتٌ طويلٌ
عجزَ العروضُ عن وزنهِ
وعجزتُ أنا عن الخروجِ منه.
رأيتُ السيوفَ صدئةً في صدورِ الكلام،
والقصائدَ القديمةَ تتنفّسُ في صدري كجرحٍ لا يلتئم،
وتقولُ لي: لا تكتبْ… فقط تذكّر.
وفي الليلِ
كنتُ أستدعي الأعشى ليغني للغيم،
وأستدعي زهيرًا ليصلحَ ما أفسدتهُ الحروبُ في المعاني،
لكنَّ الأصواتَ كانتْ تتكسّرُ
قبل أن تصلَ إلى فمي،
كأنَّ اللغةَ نفسها تتعثرُ فينا.
تأبَّطتُ ظلي ومشيتُ
حتى صارَ الظلُّ أشبهَ برفيقِ سفرٍ يحفظُ عني ما أنسى،
ويذكرني بما لا أريدُ أن أتذكّر.
وفي مقامٍ لا يُدرى أفي الأرضِ هو أم في غيمِ الغياب،
ولا يُقاسُ بجهةٍ ولا يُحدُّ بمسافة،
كأنَّه بينَ السرِّ والسرِّ،
بينَ ما يُرى وما يُمحى من الوعي.
سمعتُ نداءً لا يخرجُ من حنجرةٍ،
بل من عمقٍ يشبهُني حينَ أكونُ بلا اسم،
صوتًا يتخلّلني كما يتخلّلُ النورُ زجاجَ الروح:
ليس العائدُ كما مضى،
ولا المضيُّ كما كان،
ولكنَّ السيرَ إلى الله لا ينقطعُ وإن تعثّرَ السائرون.
فسكنتُ، لا سكونَ الجسدِ،
بل سكونَ الذي سقطَ عنه ثقلُ السؤال،
كأنَّ الريحَ مرّتْ بي ولم تتركْ فيَّ غيرَ أثرِ المحو.
وابتسمتُ،
لا ابتسامَ الفرحِ،
بل ابتسامَ من رأى أنَّ الطريقَ ليس إلى مكانٍ،
بل إلى انكشافٍ.
وعلمتُ، أنني لا أمشي بي،
بل يُمشى بي،
وأنَّ هذا الظلَّ الذي ظننتهُ ظلّي
ما هو إلا إشارةُ الفناءِ في الحضور،
وأنني كلما ظننتهُ يلازمني
كنتُ أنا الذي يزولُ فيه
ويُقيمُ هو بي
كأنني ظلُّه الذي أخطأ طريقَ الجسدِ فاستوطنَ الروح.