كتاب وشعراء

قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ بِعُنْوَانِ: عِنْدَمَا يَبْكِي الرِّجَالُ… بِقَلَمِ حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ.

بِالأَمْسِ القَرِيبِ أَطَلَّ عَلَيْنَا مِنْ نَافِذَةِ التَّوَاصُلِ الاِجْتِمَاعِيِّ ذَاكَ الرَّجُلُ مُكْفَهِرُّ الْوَجْهِ مِنْ غَزَّةَ، خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَزِقَّةٍ مُحْتَرِقَةٍ، وَحَارَاتٍ مُنْهَدِمَةٍ، وَأَرْضٍ غَصَبَهَا الْمُحْتَلُّ كَالسَّرِقَةِ، تَارِكًا خَلْفَهُ كُلَّ مَاضِيهِ، وَمَا مَلَكَ، يَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهِ طِسْتًا فَارِغًا لِلْعَجِينِ، طِسْتًا بِقَهْرِ السِّنِينَ؛ لِأَحْلَامٍ لَا تَتَحَقَّقُ، وَوَاقِعٍ لَا يُصَدَّقُ، وَآلَامٍ لَا تَنْتَهِي، وَخُطُوبٍ لَا تَنْقَضِي.
يَا لَطِسْتٍ صَارَ خَيْمَةً فَوْقَ رَأْسِهِ! لَمْ يَكُنْ بِهِ خُبْزٌ يُشْبِعُ أَوْلَادَهُ، بَلْ كَانَ رَايَةً بَيْضَاءَ يَسْتَسْلِمُ بِهَا لِلشَّمْسِ الْحَارِقَةِ، وَالْآلَامِ الْغَافِقَةِ -الْكَثِيرَةِ-، وَرَمْزًا يُخَاطِبُ بِهِ الدُّنْيَا الْمَارِقَةَ، لَقَدْ صَارَ سَقْفُ الرَّجُلِ طِسْتَ عَجِينٍ، بَعْدَمَا هُدِمَ الْبَيْتُ، وَغَارَتِ الْجُدْرَانُ، وَقُتِلَ الْأَهْلُ، وَالْأَقَارِبُ، وَالْجِيرَانُ، لَمْ يَكُنْ بِالطِّسْتِ زَادٌ يُقْنِعُ، أَوْ أَكْلٌ يُشْبِعُ، بَلْ مِظَلَّةً يَسْتَجْدِي بِهَا ظِلًّا فِي قَيْظٍ حَارِقٍ لَا يَرْحَمُ.
كَانَ الرَّجُلُ غَرِيبًا فِي وَطَنِهِ، مَطْرُودًا مِنْ أَرْضِهِ، يَسِيرُ عَلَى رَمَادٍ ذَرَّتْهُ الْقَذَائِفُ، وَعَلَى حِجَارَةٍ مَا تَزَالُ سَاخِنَةً مِنْ حَرَارَةِ دِمَاءِ أَهْلِهِ، فَيُكْمِلُ الْمَسِيرَ وَهُوَ خَائِفٌ، وَقَفَ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، تَحَامَلَ عَلَى قَلْبٍ أَثْقَلَهُ الْوَجَعُ، ثُمَّ انْهَمَرَ فِي الْبُكَاءِ، لَمْ يَبْكِ عَلَى حَالِهِ هُوَ، فَلَمْ يَبْكِ مِنْ ضَعْفِ صِحَّتِهِ؛ فَقَدْ خَارَتْ قُوَاهُ، لَكِنَّهُ بَكَى عَلَى أَحْوَالِنَا مَعَهُ، إِنَّهُ حَالُ أُمَّةٍ هَامِدَةٍ، خَامِدَةٍ، خَامِلَةٍ، أُمَّةٍ تَرْبُو عَلَى مِلْيَارَيْنِ، لَكِنَّهَا غُثَاءٌ تَتَقَاذَفُهُ الْأَنْهَارُ؛ لِضَعْفِهِ، وَشِدَّةِ وَهْنِهِ، فَلَا أَمَلَ بِهَا يُنْشَدُ، وَلَا رَحْمَةَ مِنْهَا تُرْصَدُ.
بَكَـى الرَّجُلُ، وَبُكَاءُ الرِّجَالِ عَزِيزٌ لَا يُرَى دَمْعُهُ إِلَّا مِنْ شِدَّةِ الْقَهْرِ، وَلَا يُسْمَعُ أَنِينُهُ إِلَّا مِنْ بَلَاءِ الدَّهْرِ قَائِلًا لَنَا جَمِيعًا:
“لِمَ صَارَتِ الحَيَاةُ هَكَذَا؟
أَأَصْبَحْنَا سِلْعَةً تُبَاعُ بِلا ثَمَنٍ؟ نَتَهَاوَى، كَأَنَّنَا قُمَامَةٌ تُلْقَى فِي سَلَّةِ مَهْمِلاَتِ الزَّمَنِ.
نَبْكِي عَلَى كُلِّ هَفْوَةٍ، وَكُلِّ هَبَةٍ، وَنَسْتَقْبِلُ مَا يُقَدَّمُ لَنَا بِالْمَذَلَّةِ كَأَنَّهُ نِعْمَةٌ، وَمَا هُوَ إِلَّا نِقْمَةٌ نَتَجَرَّعُهَا بِالْمَنِّ وَالذِّلِّ؟
كَمْ مِنْ مَرَارَةٍ تَجَرَّعْنَاهَا فِي حَلْقِنَا؟ وَكَمْ مِنْ عُلْقَمٍ سَارَ بَيْنَ حَنَايَا قُلُوبِنَا؟
وَكَمْ مِنْ كَبْتٍ تَرَاصَّ حَوْلَنَا، وَحَاطَّ بِنَا، حَتَّى صِرْنَا نَرْجُو الرَّحْمَةَ مِنْ أَنْفُسِنَا فَلَا مُجِيبَ؟
أَعْجَزُ حَتَّى عَنْ الوُقُوفِ عَلَى قَدَمَيَّ مِنْ شِدَّةِ الْمَأْسَاةِ، كَأَنَّ ثِقْلَ الدَّهْرِ قَدِ انْطَبَقَ عَلَيَّ فَأَلْزَمَنِي مَكَانِي، فَأَضْحَيْتُ غَرِيقًا فِي خِضَمِّ دَمْعِي أَتَمَتَّعُ بِانْسِكَابِ حُزْنِي، وَلَا يَمْتَدُّ ذَلِكَ الدَّمْعُ إِلَى سَاحِلِ فَرَجٍ؛ لِأَنْجُو فِيهِ، وَأَرْتَسِمَ عَلَيْهِ.
أَيُّ مَنْفَذٍ نَذْهَبُ إِلَيْهِ؟
وَأَيُّ مُنْقِذٍ نُعَوِّلُ عَلَيْهِ؟
أَيُّ يَوْمٍ يُمْسِكُنَا بِيَدِهِ؛ لِنَقُومَ مِنْ كبْوتِنَا، لَعَلَّ الرَّحْمَةَ تَصِيبُنَا لِصِدْقِ شَكْوَتِنَا؟”
يَا لِمَرَارَةِ الْوَحْدَةِ! وَيَا لِقَسْوَةِ الْفَقْدِ! وَيَا لِشِدَّةِ الْعَجْزِ، حِينَ يَبْرُكُ الْجَمَلُ مِنْ ثِقْلِ أَحْمَالِهِ، وَيَخِرُّ الْجَبَلُ رُكَامًا مِنْ وَقْعِ انْهَدَامِهِ، وَيَسْكُنُ النَّهْرُ حِينَ تَشِيخُ رَوَافِدُهُ، وَتَأْسَنُ مَنَابِعُهُ، فَلَا يُرَى سَنَامُهُ!
بُكَاءٌ عُزِفَ عَلَى وَجْدِ الزَّمَانِ لَحْنًا خَالِدًا يَنْفَطِرُ لَهُ الْقَلْبُ، كَالنَّايِ الْحَزِينِ حِينَ يَعْزِفُهُ الرُّعَاةُ لِقَطِيعِهِمْ بِالْفَيَافِي وَالْقِفَارِ، فَيَنْتَحِبُ عَلَى وَحْدَتِهِ؛ بِلَحْنٍ مُرٍّ يَشُقُّ مَسَامِعَ الْوُجُودِ.
يَا لِقَهْرِ الرِّجَالِ حِينَ يَبْكُونَ! فَالدَّمْعَةُ فِي عَيْنِ الْمَرْأَةِ لَحْنُ حَنَانٍ، وَفِي عَيْنِ الطِّفْلِ سُؤَالُ أُنْسٍ وَأَمَانٍ، أَمَّا فِي عَيْنِ الرَّجُلِ فَهِيَ نُبُوءَةُ انْكِسَارٍ، وَزَلْزَلَةٌ، وَبُرْكَانٌ، وَانْحِصَارٌ.
ظَلَّ الرَّجُلُ يَبْكِي، كَمَنْ يَغْسِلُ بِالدَّمْعِ وَجْهَ الْأَرْضِ، لَعَلَّهَا تُزْهِرُ يَوْمًا بَعْدَ الْخَرَابِ، وَتَصِيرُ لِأَهْلِهَا فِي الْمَآبِ.
يَبْكِي وَطَنًا مَصْلُوبًا عَلَى أَعْتَابٍ.
يَبْكِي صِغَارًا تَسَرَّبَتْ أَحْلَامُهُمْ بِلا أَسْبَابٍ.
يَبْكِي نَخْوَةً تَوَارَتْ بِالْقِبَابِ.
يَبْكِي كَثْرَةً طَنَّتْ كَالذُّبَابِ.
إِنَّ الْبُكَاءَ لَيْسَ ضَعْفًا بِالرِّجَالِ، وَلَا انْتِكَاسَةً بِالْخِلَالِ، بَلْ هُوَ شَهَادَةٌ لِلْحَقِّ أَمَامَ بَاطِلٍ طَاغٍ؛ فَالرِّجَالُ حِينَ يَبْكُونَ، لَا يُسْقِطُونَ هَامَاتِهِمْ، بَلْ يَغْسِلُونَ بِهَا تَارِيخَ أُمَّةٍ أَثْخَنَتْهَا الْجِرَاحُ، وَكَبَّلَتْهَا الْأَتْرَاحُ.
إِنَّ بُكَاءَ الرِّجَالِ حِينَ يَكُونُ يَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّ الْبُطُولَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا سَيْفًا حَادًّا إِذَا عَزَّ، بَلْ قَدْ تَكُونُ دَمْعَةً تَسِيلُ فِي صَمْتٍ، فَتُحْرِجُ الْعَالَمَ كُلَّهُ؛ وَمِنْ غِيَابِ ضَمِيرِهِ، وَتَلَاشِي إِنْسَانِيَّتِهِ يَهْتَزُّ.
هَكَذَا وَقَفَ الرَّجُلُ بِطِسْتِهِ الصَّغِيرِ، تَحْتَ شَمْسٍ جَائِرَةٍ كَأَنَّهَا سَوْطُ الطُّغَاةِ، وَعِصِيُّ الظُّلْمَةِ، وَبَكَى، كَانَ الطِّشْتُ عَلَى رَأْسِهِ كَالتَّاجِ، لَكِنْ لَيْسَ تَاجَ مُلْكٍ، وَلَا جَاهٍ، بَلْ تَاجَ صَبْرٍ وَصُمُودٍ، يُخَاطِبُ بِهِ الْعَالَمَ: “هَذَا مَا تَبَقَّى لَنَا: طِسْتٌ خَالٍ مِنَ الْعَجِينِ عَلَى رُؤُوسِنَا، وَدُمُوعٌ فِي عُيُونِنَا، وَكَرَامَتُنَا، وَعُلُوُّ هَامَتِنَا مَرْهُونٌ بِأَرْوَاحِنَا.”
إِنَّهُ تَارِيخٌ يُشْطَبُ مِنْ أَيَّامِ الدَّهْرِ تَبْكِيهِ الْعَيْنُ، وَيَرْثِيهِ الْقَلْبُ، لَقَدْ بَكَى بِحَرْقَةٍ؛ حَتَّى حَسِبَ الْمَارُّونَ أَنَّ قَلْبَهُ يَسِيلُ مِنْ عَيْنَيْهِ، وَأَنَّ وَجَعَهُ لَوْ أُحْصِيَ لَكَانَ مِدَادًا لِصَحَائِفِ الْمَظْلُومِينَ مِنْ آدَمَ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ.
بَكَـى الرَّجُلُ، وَلَا شَيْءَ بِيَدَيْهِ، حَتَّى بَدَا، وَكَأَنَّ غَزَّةَ بِأَسْرِهَا تَبْكِي مَعَهُ بِعَيْنَيْهِ،
فَهَلْ مِنْ يَسْمَعُ، أَوْ يُجِيبُ، أَوْ حَتَّى لِلدَّمْعِ يَسْتَجِيبُ؟
مَضَى الرَّجُلُ، وَفِي كُلِّ خُطْوَةٍ يَتْرُكُ عَلَى الْأَرْضِ دَمْعَةً تَخُطُّ سَطْرًا مِنَ الْمَشْهَدِ الْأَخِيرِ لِقِصَّةِ الْقَهْرِ، وَشِدَّةُ الدَّهْرِ عُنْوَانُهَا: عِنْدَمَا يَبْكِي الرِّجَالُ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى