مقالة نقدية تحليلية حول البنية الرؤيوية و اللغة في شعر زكريا شيخ أحمد: بقلم محمد وليد يوسف

مقالة نقدية تحليلية حول البنية الرؤيوية و اللغة في شعر زكريا شيخ أحمد:
زكريا شيخ أحمد: القصيدة بوصفها كائناً يعبر الخراب
بقلم: محمد وليد يوسف
ثمة شعراء يكتبون العالم و آخرون يكتبون ذواتهم و هناك شعراء نادرون تبدو القصيدة عندهم كأنها تحاول أن تفهم سرّ وجودها هي نفسها.
في هذه المنطقة تحديداً يمكن الاقتراب من تجربة الشاعر الكوردي السوري زكريا شيخ أحمد؛ تجربة تتحرك داخل الشعر بوصفه وعياً و جرحاً و تحولاً إدراكياً مستمراً لا مجرد بناء لغوي أو تدفق عاطفي.
ما يلفت في مشروعه منذ القراءة الأولى أن النص لا يبدأ من “الفكرة” بالمعنى التقليدي و لا من الرغبة في صناعة صورة جميلة و إنما من توتر داخلي كثيف، كأن القصيدة تتكون تحت ضغط وجودي هائل.
لهذا تبدو الكثير من نصوصه و كأنها كائنات حية تتنفس و تتعثر و تهذي و تتذكر و تحلم داخل اللغة.
في الوقت الذي أصبحت فيه القصيدة الحديثة مهددة بأغلبيتها إما بالترهل اللغوي أو الغموض المجاني أو الاستعراض المجازي ينجو نص زكريا من هذه الفخاخ عبر امتلاكه نسيجاً داخلياً شديد التماسك حتى في لحظات الفيض و الانفجار.
اللغة كجسد محترق
اللغة عند زكريا شيخ أحمد لا تؤدي وظيفة نقل المعنى فقط، إنها تتحول إلى مادة حيّة تتعرض للاهتزاز و التشظي و الاحتراق داخل النص.
الكلمات تبدو أحياناً كأنها خرجت لتوّها من حلم أو من ذاكرة جسدية قديمة أو من خراب شخصي و جمعي في آن واحد.
في أحد مقاطعه يقول:
“أحياناً أشعر أنّ جسدي
مجرّد شائعة اخترعها التراب.”
هنا لا تعمل الاستعارة بوصفها زينة بل كخلخلة لفكرة الكينونة نفسها.
الجسد يفقد يقينه الواقعي و يتحول إلى احتمال لغوي، إلى إشاعة عابرة داخل الكون.
هذا النوع من الجمل لا يعتمد على الإدهاش السريع و إنما يخلق ارتباكاً معرفياً و شعورياً معاً؛ و هي إحدى السمات الجوهرية في تجربته.
الصورة بوصفها تحولاً إدراكياً
الكثير من الشعر الحديث يراهن على الصورة الغريبة، لكن الغرابة وحدها لا تصنع شعراً عظيماً.
ما يميز زكريا أن الصورة عنده في السواد الأعظم من نصوصه تغير طريقة رؤية الأشياء.
في قوله:
“رأيتُ رجلاً يبيعُ أعماراً مستعملة
على رصيفٍ مهجور.”
فإننا لا نقف أمام مشهد سريالي فقط و إنما نقف أمام اختزال هائل لفكرة الزمن المهدور و النسخ التي نفقدها من أنفسنا أثناء الحياة.
الصورة هنا ليست تجميلاً للقصيدة و إنما أداة لإعادة اختراع الإدراك.
و لهذا كثيراً ما تبدو نصوصه كأنها تتحرك في منطقة بين الحلم و الفلسفة و السينما الداخلية.
الأشياء تتحول باستمرار:
* الظل يكتسب وعياً مستقلاً
* الذاكرة تصبح مكاناً
* الزمن يتحول إلى مادة ملموسة
* الضوء يتصرف ككائن حي
* و الجسد يغدو أرشيفاً للخراب و المنفى و الخوف و الرغبة.
الذاكرة الجسدية و الخراب الكوني
الذات في شعر زكريا ليست ذاتاً فردية مكتفية بنفسها.
هناك دائماً شعور بأن المتكلم يحمل طبقات كاملة من التاريخ و الجغرافيا و الاقتلاع.
الطفولة، القرية، الأم، الخبز، الحرب، المنفى، الجسد الكوردي و السوري الممزق… كلها تظهر لا بوصفها موضوعات و إنما كطبقات في الوعي الشعري نفسه.
حين يكتب مثلاً:
“كانت أمّي تضعُ الخبز قرب النافذة
كي تأكل الطيور معنا.”
فإن البساطة الظاهرة سرعان ما تنفتح على طبقات أخرى من المعنى: البراءة، المشاركة، الفقد و الزمن الذي يلتهم البيوت و الأمهات و القمح معاً.
هذه القدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة أو الهامشية إلى إشارات كونية تمنح الكثير من نصوصه كثافة وجدانية و فلسفية تكاد تكون نادرة.
البنية الرؤيوية
قصائد زكريا لا تُقرأ دائماً بوصفها نصوصاً خطية.
إنها أقرب إلى “حالات عبور” داخل الوعي.
كثير من المقاطع تبدو كأنها حلم طويل يمتلك منطقه الداخلي:
الأنهار تصعد إلى السماء،
الظلال تتكلم،
الأرواح تترك ثقوباً في الهواء،
الأشياء تتبدل هويتها أثناء النظر إليها.
في نص “سجلات كائن” مثلاً، يتحول البحث عن الظل إلى رحلة وجودية كاملة تنتهي بانفصال الذات عن صورتها القديمة:
“قال لي الظلّ:
جئتُ لأخبرك أنّك لم تعد بحاجةٍ إليّ.
أنت الآن الضوء نفسه.”
هذه اللحظة تكشف جوهر مشروعه تقريباً:
القصيدة ليست وصفاً للعالم و إنما محاولة لعبور حدوده الإدراكية.
الإيقاع الداخلي
لا يعتمد زكريا على الموسيقى الخارجية التقليدية بقدر ما يعتمد على إيقاع ينبع من احتكاك الفكرة باللغة.
الجملة عنده تتنفس بطريقة خاصة و لهذا تبدو بعض المقاطع كأنها تُقرأ بصوت داخلي حتى أثناء القراءة الصامتة.
الإيقاع هنا ليس زخرفة صوتية
هو حركة شعورية و فكرية داخل النص.
التقاطعات الشعرية
يمكن ملاحظة تقاطعات روحية و فنية بين تجربته و تجارب عالمية و عربية عديدة:
•• ثمة أصداء بعيدة لأنسي الحاج من حيث:
* تفجير اللغة من الداخل
* الجملة التي تبدو كأنها اكتشاف مفاجئ
* المزج بين الجسد و الميتافيزيقا
* الكتابة بوصفها ارتطاماً وجودياً
خصوصًا في “الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع”.
لكن زكريا أكثر ظلمةً و أقل تجريداً أحياناً.
•• تقاطعات مع أدونيس من حيث:
* البنية الرؤيوية
* تحويل القصيدة إلى فضاء فكري/كوني
* التوتر بين الخراب و الأسطورة
* اللغة المشحونة بالتحولات
لكن زكريا أكثر التصاقاً بالجرح الإنساني الحميم، و أقل ميلاً إلى التنظير الرمزي.
•• سركون بولص قريب جدا منه في:
* السينما الداخلية للنص
* المشاهد الحلمية
* الغربة الوجودية
* الكائن الهائم داخل العالم
* التقاط اليومي وتحويله إلى هلوسة شعرية
و هذا ربما أحد أقرب التقاطعات فعلاً.
•• محمود درويش (في مرحلته المتأخرة)
ليس من ناحية النبرة الخطابية أو الموسيقى و إنما من:
* التأمل الوجودي
* محاورة الزمن و الموت
* تحويل الذات إلى حامل لذاكرة جماعية
لكن زكريا أكثر انفلاتاً من البناء الكلاسيكي عند درويش.
•• بول إيلوار / سان جون بيرس / رينيه شار
من حيث:
* السريالية ذات الجذر الشعوري
* الصور التي تعمل كأحلام ذات منطق داخلي
* الإشراقات الخاطفة
•• بودلير في:
* تحويل الخراب إلى جمال
* العلاقة الملتبسة بين السقوط و الرؤيا
* استخراج الشعر من العفن الروحي للعالم
•• رامبو
خصوصاً فكرة:
“اختلال الحواس للوصول إلى المجهول”
لأن بعض نصوص زكريا تبدو كأنها مكتوبة من داخل حالة إدراكية متحوّلة، لا من وعي مستقر.
•• طاغور (بشكل بعيد و روحي)
في لحظات الصفاء الكوني و الالتفات إلى العناصر:
* الضوء
* الشجر
* الماء
* الروح الكونية
لكن زكريا أكثر تشظياً و قلقاً.
•• و أخيرا
شعراء التصوف الكبار مثل:
* النفّري
* الحلاج
* ابن عربي
ليس لغوياً و إنما في:
* الشعور بأن الذات تعبر طبقات الوجود
* و أن اللغة محاولة لالتقاط ما يفلت من التسمية.
لكن هذه التقاطعات لا تلغي فرادته لأن نصه يحمل نبرة خاصة جداً:
الحس الكوردي الجبلي و المنفي،
أثر الحرب السورية،
امتزاج الطين بالميتافيزيقا،
تحويل الجسد إلى ذاكرة جماعية.
نحو وعي شعري مختلف
التجاوز الحقيقي في الشعر لا يتحقق عبر المزيد من الصور أو الغموض أو المفردات الثقيلة.
المسألة الأعمق تتعلق بقدرة القصيدة على خلق وعي جديد داخل اللغة.
و هذا ما يمنح تجربة زكريا شيخ أحمد أهميتها.
قصيدته لا تبحث عن الإدهاش وحده و إنما تحاول اكتشاف طريقة أخرى للشعور بالعالم؛ طريقة تجعل الإنسان يرى الخراب و الطفولة و الموت و المنفى و الضوء كما لو أنه يراها للمرة الأولى.
إنه يكتب كما لو أن اللغة نفسها تحاول أن تتذكر ما حدث للإنسان.
و القصيدة عنده تتحول إلى كائنٍ يختبر وجوده .