رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب :”أزمة الخليج بين شلل الطاقة، وإعادة صياغة التحالفات، ومستقبل الاستنزاف”

من الصراع البارد إلى الصدام المباشر
تخوض منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي أعنف منعطف عسكري واقتصادي في تاريخها الحديث.
فمنذ مطلع عام 2026، تحول الصراع “البارد” والمستتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى مواجهة عسكرية مباشرة وغير مسبوقة تخللتها ضربات متبادلة، واغتيالات طالت الهرم القيادي في طهران، وصولاً إلى إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز .
هذا التطور لم يضع أمن الطاقة العالمي على المحك فحسب، بل أحدث هزّة أرضية في المفاهيم الأمنية التقليدية لدول الخليج العربية، التي وجدت نفسها في قلب العاصفة توازن بين خيارات البقاء الجيوسياسي وتأمين شريان الحياة الاقتصادي.
أولاً: المشهد السياسي والعسكري الخليجي..
للدفاع عن النفس وإدارة الأزمة أمام الهجمات الصاروخية وبطائرات الدرون الإيرانية التي استهدفت بنى تحتية مدنية ومنشآت طاقة حيوية بالمنطقة، تبنت دول مجلس التعاون الخليجي استراتيجية تجمع بين الصرامة الدفاعية والبرغماتية السياسية:
1. رفض الاستهداف والجاهزية للرد:
عبرت دول الخليج في بياناتها المشتركة عن إدانتها الشديدة للهجمات الإيرانية، مؤكدة تفعيل حقها في “الدفاع عن النفس” لحماية سيادتها وأراضيها.
2. الضغط الدبلوماسي والندية مع واشنطن:
خلف الكواليس، مارست عواصم خليجية رئيسية ضغوطاً ملموسة على واشنطن لعدم الاكتفاء بالردود المؤقتة، بل بضرورة شل القدرات الإيرانية التي تهدد الملاحة الدولية.
3. الدبلوماسية الموازية:
بالتوازي مع الاستعداد العسكري، حافظت دول مثل سلطنة عمان وقطر على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران؛ بدافع القناعة بأن الحرب الشاملة ستدمر المنجزات التنموية للجميع، وأن إدارة الصراع دبلوماسياً أصبحت ضرورة موازية للردع العسكري.
ثانياً: شلل الملاحة في هرمز..
البدائل النفطية الفورية والخطط بعيدة المدى
يمثل إغلاق مضيق هرمز مطلع مارس 2026 تهديداً مباشراً لتدفق نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً (خمس الاستهلاك العالمي). هذا الشلل كبّد المنتجين الخليجيين خسائر مباشرة بالمليارات، ودفع الأسواق العالمية
1. الحلول والبدائل الحالية (تحت ضغط الأزمة):
تتحمل خطوط الأنابيب البرية الحالية أقصى طاقتها الاستيعابية، إلا أنها تعاني عجزاً هيكلياً لا يمكنه تعويض كامل حصة المضيق المغلق:
خط الأنابيب شرق-غرب (السعودية): ينقل النفط من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، حيث تم رفع ضخه إلى أقصى سعة ممكنة (بين 4.5 إلى 7 ملايين برميل يومياً)، رغم التحديات الأمنية التي تفرضها الفصائل الموالية لإيران جنوباً عند مضيق باب المندب.
خط أنابيب حبشان-الفجيرة (الإمارات): ينقل النفط الإماراتي مباشرة إلى خليج عمان (خارج مضيق هرمز) بطاقة تبلغ 1.5 مليون برميل يومياً.
المخزونات الدولية: اللجوء الكثيف للدول المستهلكة إلى السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية لتفادي قفزات أسعار مرعبة.
2. البدائل والخطط على المدى البعيد (حتى عام 2034):
دفعت أزمة 2026 العواصم الخليجية لتخصيص استثمارات ضخمة تُقدر بنحو 290 مليار دولار لتغيير خريطة النقل اللوجستي تماماً:
الأنابيب العابرة للحدود: تسريع إنشاء شبكة أنابيب عملاقة تتدفق مباشرة نحو ميناء الدقم العُماني وموانئ البحر الأحمر المفتوحة.
مشروع السكك الحديدية الخليجية: تسريع قطار الخليج المشترك (بطول 1352 ميلاً) لنقل البضائع والمشتقات النفطية براً بعيداً عن البحر.
مشروع الجسر البري السعودي (Landbridge): لربط الموانئ الشرقية بمدينة جدة وينبع برياً عبر شبكة قطارات سريعة لنقل الحاويات والوقود.
تنويع سلاسل الإمداد الدولية: على الجانب الآخر، تسرّع الدول المستوردة الكبرى من وتيرة التحول نحو الطاقة المتجددة وزيادة الاستثمار النفطي في مناطق جغرافية أخرى (كأمريكا اللاتينية) لتقليل الاعتماد التاريخي على الخليج.
ثالثاً: سقوط “المظلة الأمريكية” وولادة فكر “الاعتماد على الذات”
أثبتت أحداث عام 2026 أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد صكاً مضموناً لحماية الحلفاء، نظراً لحسابات واشنطن الداخلية المعقدة وتخوفها من الانزلاق إلى حرب استنزاف برية واسعة. هذا الإدراك تسبب في تحول استراتيجي عميق:
من التبعية إلى الندية: باتت دول الخليج تطالب باتفاقيات دفاعية مكتوبة وملزمة تحاكي بنود حلف الناتو، ونقل تكنولوجيا التصنيع، بدلاً من صفقات السلاح التقليدية.
تعميق الشراكة الاستراتيجية مع الشرق: صعدت الصين كرقم صعب؛ ليس كأكبر مستورد للطاقة فحسب، بل كضامن سياسي يمتلك أوراق ضغط قوية على طهران، بالتوازي مع فتح أسواق السلاح مع روسيا وكوريا الجنوبية لكسر الاحتكار الغربي.
الدفاع الجماعي الخليجي: تفعيل حقيقي لمعاهدة الدفاع المشترك عبر ربط برمجيات الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي (باتريوت، ثاد، ورصد المسيرات) في شبكة موحدة لحماية الأجواء جماعياً.
رابعاً: الموقف المصري.. حماية ردعية وتوازن استراتيجي معقد
وجدت جمهورية مصر العربية نفسها أمام اختبار حرج؛ فبينما يتمثل مبدأها الثابت في أن “أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري”، فإنها ترفض بشكل قاطع الدخول كطرف في حرب إقليمية برية قد تحول المنطقة إلى رماد.
وقد تجلى الدعم المصري للخليج من خلال شقين:
1. المساعدات العسكرية الميدانية الفورية:
منظومة “آمون حرس السماء” الدفاعية:
أرسلت مصر وحدات مطورة من هذه المنظومة إلى السعودية والإمارات والكويت. وتتميز هذه الوحدات بترقية إلكترونية رقمية تتيح لها تتبع واصطياد صواريخ كروز والطائرات المسيرة منخفضة الارتفاع حتى في بيئات التشويش والقرصنة اللاسلكية الكثيفة.
المفارز الجوية (طائرات الرافال):
نشرت مصر أسراباً من مقاتلات “الرافال” المتطورة مع أطقمها الفنية في القواعد الجوية الإماراتية (مثل قاعدة الظفرة) لتوفير مظلة حماية ومراقبة جوية فاعلة.
* تأمين الممرات الجنوبية:
كثفت القطع البحرية المصرية دورياتها في البحر الأحمر لتأمين ناقلات النفط الخارجة من الموانئ البديلة في غرب السعودية وحمايتها من أي تهديدات.
2. البعد الجيوسياسي ومساعي التهدئة:
رغم وجود عتاب مكتوم من بعض النخب الخليجية التي تمنت تدخلاً مصرياً برياً مباشراً، إلا أن القاهرة ترى في “الحياد الإيجابي” والقدرة على مناورة الأطراف أداة أكثر نفعاً؛ حيث تقود مصر حراكاً لإعادة تفعيل إطار دفاعي عربي مشترك بالتوازي مع اتصالات دبلوماسية مكثفة مع طهران للوصول لتهدئة،
علاوة على ذلك، تحولت الموانئ المصرية على البحر الأحمر وممر قناة السويس إلى نقاط ارتكاز استراتيجية عالمية لاستقبال ونقل النفط المار عبر الأنابيب السعودية البرية.
خامساً: مآلات الصراع.. سيناريوهات رسم النهاية لعام 2026
بينما تستمر المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران عبر عمليات مكثفة (مثل عملية “الملحمة الشرسة”)، اتضحت حدود ما يمكن لكل طرف تحقيقه:
واشنطن وإسرائيل نجحتا في تدمير البنية التحتية التقليدية لإيران وتجميد قدراتها النووية مؤقتاً لكنهما فشلتا في إسقاط النظام، في حين أثبتت إيران قدرتها العالية على إيذاء الاقتصاد العالمي وابتزاز الاستقرار الإقليمي بالصمود والمناوشة.
بناءً على معطيات الاستنزاف الحالية، يتوقع أن تؤول النهاية بحلول (أواخر عام 2026) إلى أحد السيناريوهات الثلاثة:
1. السيناريو الأول: صفقة سياسية قسرية (الأكثر ترجيحاً)
الوصول إلى اتفاق اضطراري ومرير برعاية وساطات دولية وإقليمية.
يقوم هذا السيناريو على مبدأ “الأمن البحري مقابل التسهيلات الاقتصادية”؛ بحيث تلتزم طهران بفتح مضيق هرمز وتطهيره من الألغام، مقابل رفع أمريكي جزئي للعقوبات والحصار البحري. ويدفع بهذا السيناريو حاجة إدارة ترامب لإنهاء الحرب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي والضغط البرلماني الداخلي لتقييد صلاحيات الحرب.
2. السيناريو الثاني: حلقة مفرغة (لا حرب ولا سلم)
فشل المفاوضات نتيجة تعنت الجناح المتشدد من الحرس الثوري الإيراني الممسك بزمام السلطة. هذا السيناريو يترك مضيق هرمز مغلقاً أو تحت تهديد دائم، مما يحول المنطقة إلى برميل بارود مشتعل باستمرار، ويسرّع من خروج نفط الخليج تدريجياً من الحسابات الدولية لفترات طويلة.
3. السيناريو الثالث: الانزلاق إلى الحرب الشاملة والغزو البري (الأقل احتمالاً)
حدوث خطأ حسابي غير مقصود أو ضربة إيرانية تؤدي لخسائر بشرية واسعة في صفوف القوات الأمريكية، مما يدفع واشنطن لاتخاذ قرار “الغزو البري” أو العمليات البرية المحدودة للسيطرة على منشآت اليورانيوم المدفونة في أعماق الجبال (مثل فوردو ونطنز). وهو سيناريو كارثي يدمر البنية التحتية للطاقة بالكامل في الشرق الأوسط.
الخاتمة
لن تنتهي أزمة عام 2026 بانتصار ساحق أو هزيمة بالضربة القاضية لأي طرف.
فالولايات المتحدة لن تتحمل كلفة غزو بري شامل ودائم،
والنظام الإيراني أثبت قدرته الهيكلية على امتصاص الضربات الجوية.
المحصلة النهائية ستكون ولادة شرق أوسط جديد، يدرك فيه الخليج أن أمنه ينبع من خياراته الذاتية وتوازناته البرغماتية، وأن الاعتماد على قوى عظمى وحيدة لحماية الممرات المائية أصبح جزءاً من التاريخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى