
لبنان اليوم ليس ساحة حرب بالمعنى التقليدي.
إنه مرآة تعكس أوهام كل من يتطلع إليها: الولايات المتحدة ترى فيه نظامًا يمكن إعادة ضبطه، وإسرائيل ترى حدودًا يمكن تأمينها، وإيران ترى ورقة يمكن الاحتفاظ بها إلى أجل غير مسمى. لكن المرآة لا تعكس الشيء الوحيد المهم: لبنان نفسه.
الجميع ينظر إلى لبنان بوصفه وظيفة جيوسياسية، فيما يبدو لبنان ذاته غائبًا عن الصورة.
ما يُطرح اليوم بوصفه “اتفاقًا إطارياً” يحمل في داخله تناقضه البنيوي.
يُطلب من المقاومة نزع السلاح مقابل انسحاب إسرائيلي، لكن الانسحاب نفسه مشروط بنزع السلاح. أي أننا أمام معادلة لا تهدف إلى الحل بقدر ما تهدف إلى إدارة الأزمة بصورة دائمة.
وهو المنطق ذاته الذي حكم اتفاق عام 1983، حين حاول النص القانوني فرض وقائع لم يكن الميدان قد حسمها بعد.
السلطة اللبنانية اليوم تجد نفسها في الموقع ذاته: تُنفّذ شروطًا لم تصغها، فيتراكم عليها وزر التبعية ووزر العجز في آنٍ واحد.
وفي السياق نفسه، بدأت تتداول في الأوساط السياسية والإعلامية تصورات تتحدث عن ترتيبات أمنية قد تمنح الدولة اللبنانية هامشًا لطلب دعم إقليمي أو عربي في مواجهة تحدياتها الداخلية، ضمن رؤية أوسع لإعادة هندسة المجال الأمني اللبناني.
وبغض النظر عن مدى دقة هذه الطروحات أو تحولها إلى نصوص فعلية، فإن مجرد تداولها يكشف عن تحول نوعي في التفكير الاستراتيجي الإقليمي؛ إذ لم يعد النقاش يدور فقط حول الحدود أو الانسحاب أو السلاح، بل حول إعادة تعريف من يمتلك حق استخدام القوة داخل الدولة، ومن يحدد طبيعة التهديدات الداخلية، ومن يملك شرعية الاستعانة بالخارج.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بحزب الله وحده، بل يصبح سؤالاً يتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية نفسها، وحدود سيادتها، وموقعها في هندسة إقليمية جديدة تتجاوز منطق العلاقات بين الدول إلى محاولة إعادة تشكيل التوازنات داخل الدول.
إيران بدورها لا تخوض معركة لبنان.
إيران تخوض معركة إعادة تعريف الكلفة.
بدلاً من تحويل الجنوب إلى ساحة مواجهة مباشرة، تعمل على توسيع مسرح الصراع بحيث يصبح أي اختراق في لبنان مرتبطًا بحسابات الخليج والممرات البحرية والقواعد العسكرية المنتشرة في الإقليم.
ولا يعود السؤال: من يسيطر على الجنوب؟
بل: من يستطيع تحمّل كلفة السيطرة عليه؟
إيران لا تدافع عن لبنان، بل توظفه.
أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام مفارقة مركبة.
تريد طمأنة إسرائيل، لكنها مضطرة في الوقت ذاته إلى طمأنة حلفائها الخليجيين الذين باتوا يدفعون ثمن صراع ليسوا أطرافًا حقيقيين فيه.
كل ضربة جديدة تزرع بذرة شك بين واشنطن وحلفائها، لا تحتاج إلى انفجار لتؤدي مفعولها، لأن الشك الاستراتيجي يتراكم بصمت قبل أن يتحول إلى إعادة تموضع في السياسات.
وهنا تظهر إحدى أهم نتائج المرحلة:
الردع لم يعد يُمارَس فقط عبر القدرة على التدمير، بل عبر القدرة على توسيع دائرة الخسائر.
ما يجري ليس إعادة إنتاج لحرب سابقة.
بل إعادة تركيب للعناصر ذاتها داخل سياق مختلف: الهاجس الإسرائيلي ذاته، والمخاوف اللبنانية ذاتها، والوظيفة الإيرانية ذاتها، لكن ضمن شرق أوسط أقل أمريكية، وأكثر تشظيًا، وأكثر اعتمادًا على شبكات الردع المتبادل.
لم ينتصر أحد حتى الآن.
إسرائيل أوقعت إيران في كمين عسكري.
وإيران أوقعت الولايات المتحدة وحلفاءها في كمين جيواستراتيجي.
والجميع يتظاهرون بأن لبنان بيضة الميزان.
لكن بيضة الميزان لا تختار.
النصر الحقيقي سيكون لمن يتحمل كلفة الصبر أطول.
أما الضحية الأكيدة فهي مؤجلة لا محسومة، لأن ما يُؤجَّل في هذا الجزء من العالم لا يختفي، بل يتراكم.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
المشكلة لم تكن يومًا في الجغرافيا، بل في غياب إرادة عربية محلية قادرة على تحويل الجغرافيا من ساحة إلى فاعل.
هذا هو العجز الأعمق الذي لا يُسمّيه أحد، لأن تسميته تعني الاعتراف بأن المشكلة ليست في الخارج وحده.
السيادة لا تُستعار.
ولا تُمنح.
ولا تُكتب في اتفاقات مؤقتة.
السيادة تُصنع.
أو تظل وعدًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.