
ليست أزمة الحركات الوطنية أنها تتعرض للمؤامرات أو تواجه خصوماً أقوياء، فهذه سنة رافقت كل حركات التحرر عبر التاريخ.
وإنما تبدأ أزمتها الحقيقية عندما يتسلل الوهن إلى داخلها، فتفقد قدرتها على المراجعة والتجديد، ويغيب الفكر، ويُهمَّش التاريخ، وتُقصى الكفاءات، لتحل محلها الولاءات الشخصية، وثقافة التبعية، وضعف الوعي.
حينها، لا يكون الانهيار حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التآكل الداخلي.
إن الحركات الوطنية لا تنهزم أولاً في ساحات المواجهة، بل حين تتخلى عن رسالتها، وتفقد بوصلتها، وتستبدل المشروع الوطني الجامع بثقافة الأشخاص، والمؤسسات بمراكز النفوذ، والكفاءة بالولاء، والحوار بالإملاء، والنقد بالمجاملة، فتتحول من حركة تحمل قضية وطن، إلى إطار منشغل بإدارة ذاته والدفاع عن مواقعه.
وهذه ليست أزمة تنظيمية فحسب، بل هي أزمة فكر وثقافة ورؤية.
فالتاريخ يعلمنا أن كل حركة تتوقف عن إنتاج الفكر، وتغلق أبواب النقد، وتخشى التجديد، تبدأ تدريجياً بفقدان ثقة شعبها، مهما كان رصيدها النضالي عظيماً. فلا تصنع الغالبية الحق، ولا تصنع المناصب القادة، وإنما تصنعهم الرؤية، والنزاهة، والكفاءة، والقدرة على التضحية من أجل الفكرة.
لقد كانت قوة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في بداياتها نابعة من مشروعها الوطني الجامع، ومن قدرتها على احتضان الطاقات والكفاءات، ومن إيمانها بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن القيادة مسؤولية لا امتياز، وأن الاختلاف في الرأي مصدر قوة لا سبب للإقصاء.
ولذلك، فإن استعادة دورها التاريخي لا تكون بالحنين إلى الماضي، ولا بإعادة إنتاج الأدوات التي قادت إلى حالة الجمود، وإنما بالعودة إلى روح التأسيس الأولى؛ إلى الفكرة التي صنعت الحركة، وإلى ثقافة الشراكة، واحترام الكفاءة، وتجديد القيادة، وترسيخ المؤسسات، وإطلاق الحوار الداخلي الحر والمسؤول.
إن النقد الصادق ليس استهدافاً للحركة، بل دفاع عنها. وليس دعوة إلى الهدم، بل نداء للإصلاح قبل أن يصبح الإصلاح أكثر كلفة.
فالحركة التي تمتلك شجاعة مراجعة تجربتها، والاعتراف بأخطائها، والانفتاح على أجيالها وكفاءاتها، هي وحدها القادرة على استعادة مكانتها ودورها الوطني.
إن التاريخ لا يخلّد الحركات لأنها كانت كبيرة، بل لأنها عرفت كيف تتغير دون أن تتخلى عن مبادئها، وكيف تتجدد دون أن تفقد هويتها، وكيف تجعل الوطن فوق الأشخاص، والمشروع فوق المصالح، والمستقبل فوق حسابات اللحظة.
فالحركات الوطنية لا تموت حين يشتد عليها الحصار، بل حين تتخلى عن رسالتها. ولا تسقط عندما يقل أتباعها، بل عندما يقل فيها أصحاب الفكر والكفاءة، ويعلو صوت الولاء على صوت الحقيقة. فالتاريخ لا يرحم من يبدد رصيده، ولا يجامل من يفرط في مشروعه الوطني.
فالأوطان لا تبنيها الولاءات، بل تبنيها العقول، ولا تصنع مستقبلها الشعارات، بل تصنعه المؤسسات والكفاءات والإرادة الحرة.
ولا يحرس التاريخ إلا أصحاب البصيرة، أما أصحاب المصالح العابرة، فيعبرون ثم يطويهم النسيان.
ولعل أعظم وفاء لأي حركة وطنية ليس التصفيق لها وهي تخطئ، بل امتلاك الشجاعة لتقويم مسارها، ومساعدتها على استعادة بوصلتها، لأن الحركة التي ولدت من أجل الوطن لا يليق بها أن تنشغل عن الوطن، ولا أن تنسى أن رسالتها الأولى كانت، وستبقى، خدمة الشعب والدفاع عن قضيته، لا خدمة الأشخاص أو مراكز النفوذ.
إن الإصلاح ليس ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة وطنية. والتجديد ليس انقلاباً على التاريخ، بل وفاءٌ له. أما المحافظة الحقيقية على الإرث النضالي، فلا تكون بتقديس الواقع، وإنما بالارتقاء به، حتى تبقى الحركة جديرة بتاريخها، ويظل الوطن هو الغاية التي تسمو فوق كل الأشخاص والمواقع والمصالح.