رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب :هندسة الانسداد السياسي

"لماذا لن ينجو الأمن والاقتصاد دون "تسليك" شرايين السياسة في مصر؟"

لقمة العيش ليست رفاهية فكرية، والأمن لا يُحفظ بالبطش..
حينما تتأرجح الدولة بين وصاية “الدولة العميقة” وتربص “الخلايا النائمة”
تكمن الحقيقة المجرّدة التي تحاول أبواق التوجيه طمسها في أن الدولة المصرية تواجه حالة “انسداد سياسي” حرج، تجاوز مرحلة الجمود ليصبح تهديداً وجودياً لبنية الدولة وأركانها المستدامة.
إن دعم بقاء الدولة وتثبيت أركانها يحتم علينا النظر إلى كل هذه الأركان مجتمعة، والحالة السياسية هي الركن الأهم الذي يتوجب علينا فحصه بشكل مجرد. ولم يعد خافياً على أحد أن الوعي الجمعي في مصر يُقاد ويُوجَّه بنجاح عبر حالة من الاستقطاب الشديد نحو قطب واحد يقوده داعمو النظام ومريدوه.
هذا الانسداد ليس مجرد أزمة نخب، بل هو تشوه بنيوي جعل من “المجال العام” مجرد ساحة فارغة، جُففت فيها التعددية الحزبية الفاعلة، وتحولت فيها السياسة إلى عبء أو “وجاهة شرفية”، بينما يدفع الشارع والمواطن الفاتورة الأقسى من قوته وأمنه واستقراره الفعلي.
أولاً: شيطنة المعارضة واحتكار الوطنية.. نزيف العقول في مساحات التخوين
لا يمكن التفكير في أي انفراجة سياسية دون اعتبار وتفعيل حقيقي لمبدأ “الرأي والرأي الآخر”. فالوطنية ليست، ولن تكون، حكراً على داعمي النظام وسدنته.
من الخطيئة الكبرى النظر إلى كل معارضة على أنها “فعل الخونة والعملاء”، وجرّ العامة قبل الخاصة للهجوم عليها، وهي السردية التي تمأسست عبر منصات الإعلام الموجه لوسم كل نقد بالعمالة والأجندات المشبوهة.
هذا الإقصاء الممنهج كبّد مصر خسائر هائلة؛ حيث حُرمت الدولة من مجموعة لا يستهان بها من العقول الراشدة والحكيمة والكفاءات التكنوقراطية التي كان يمكن أن تكون ذات نفع وفائدة، فقط لأنهم يتبنون رؤى أخرى غير رؤية النظام، ويتحدثون عن حلول بديلة للمآزق الحالية.
إن تدمير “المساحات الرمادية” واختصار المشهد في ثنائية (الولاء المطلق أو العداء المطلق) لم يلغِ المعارضة، بل دفع الكفاءات إما إلى الصمت التام “الهجرة الداخلية”، أو السفر خارج البلاد “نزيف العقول”، ليخلو الفضاء الإداري والسياسي للولاءات الشخصية على حساب الكفاءة والقدرة على إدارة الأزمات.
ثانياً: إعادة تعريف الاتحاد.. غاية الدولة المدنية الحديثة
إن الوقوف مع مصر وأمامها وخلفها ليس صكاً يوزع، أو طلباً يُقدم للمصريين؛ فهم ليسوا بحاجة إلى هذا النداء، والدفاع عن الوطن بالنسبة لهم أمر فطري ليس فيه اختيار.
أمّا اتحاد المصريين فهو لا يعني أبداً الاتحاد والتطابق مع رؤية واحدة دون أخرى، بل هو اتحاد في الهدف الأسمى: بناء دولة ديمقراطية مدنية حديثة.
هذه الدولة المستهدفة لا تقوم على الهتاف والتأييد الأعمى، بل ترتكز على أعمدة صلبة:
* المواطنة الكاملة: التي لا تميز بين مواطن وآخر بناءً على موقفه السياسي أو موالاته للسلطة.
* التعددية السياسية: التي تعترف بالخلاف كأداة إثراء لا كأداة هدم.
* الحريات المختلفة وعلي رأسها حرية التعبير: باعتبارها البوصلة الأساسية والرقابة الشعبية التي تصحح مسار السياسات العامة قبل وقوع الأزمات الكارثية.
ثالثاً: المسؤولية الدستورية للرئيس.. رفع الوصاية وإطلاق الإرادة الحرة
بموجب الدستور المصري،
لا يمكن تجاهل أهمية دور رئيس الجمهورية في إرساء وتثبيت أركان الدولة، وعلى رأسها الحالة السياسية. وفي مجتمع عانى لعقود من تجريف متعمد للحياة السياسية أدى إلى افتقاره للوعي السياسي الحقيقي، تصبح مسؤولية رأس السلطة هي التعليم والتمكين والتدريب على الديمقراطية، وليس اتخاذ “ضعف الوعي” ذريعة لاستمرار الوصاية.
إن السير في اتجاه الإصلاح يشمل حتماً:
1- احترام الدستور وتفعيل نصوصه المعطلة: الخاصة بحرية الرأي، وحق التنظيم، والتداول السلمي للسلطة.
2- استقلال مؤسسات الدولة: لتقوم بأدوارها مستقلة كلٌّ في مجاله (برلمان يشرع ويراقب دون إملاءات أمنية، وقضاء مستقل يحمي الحقوق والحريات).
3- “تسليك” وضخ الدماء في الحياة السياسية: لتقوم على أسس سليمة حددها الدستور، مع سيادة كاملة لقيم الشفافية والمكاشفة مع الشعب حول القروض، الديون، والمشاريع القومية.
إن الخروج من هذه الدائرة المغلقة يتطلب شجاعة سياسية لرفع الوصاية عن هذا الشعب، وإطلاق إرادته الحرة؛ ليبني دولته بالشكل الذي يصبو إليه، وبالأسلوب الذي يحقق له ولأجياله القادمة حياة أفضل.
رابعاً: التحذير الوجودي.. “الموات السياسي” كحاضنة للتنظيمات السرية
وهنا يبرز الخطر الأمني الأكبر الذي تتجاهله القبضة الأمنية:
الفراغ السياسي لا يدوم، وقوانين الطبيعة السياسية لا ترحم. إن حالة الموات السياسي الكامل التي نمر بها، وتجفيف البدائل المدنية والشرعية التي تعمل فوق الأرض وتحت الشمس، تفتح المجال واسعاً أمام التنظيمات السرية والراديكالية والتي تعمل في الخفاء لأن تعود أدراجها.
هذه التنظيمات هي التي تمتلك عمقاً مجتمعياً وشبكات تضامن خفية، تستغل بذكاء الأزمات المعيشية والسخط الشعبي لتنمو كخلايا نائمة في مواجهة “الدولة العميقة”.
إن غياب المعارضة الوطنية العاقلة والعلنية لا يحمي النظام، بل يسحب صمام الأمان؛ فالأحزاب والنقابات والمنصات الحرة هي حائط الصد الأول الذي يستوعب طاقات الشباب ومطالبهم ويؤطرها في مسارات سلمية قانونية،
بينما تدمير هذا “الوسط السياسي” يخدم -موضوعياً- سردية الجماعات السرية بأنه “لا فائدة من العمل السلمي”، مما يهدد استقرار الدولة الوجودي عند أول هزة عنيفة.
خامساً: الاقتصاد والأمن الشامل.. تفكيك سردية “التسكين”
تنظر السلطة الحالية إلى المجال العام والعمل السياسي باستهانة شديدة، وتتعامل مع دعوات فتحه في الآونة الأخيرة كنوع من “التسكين” وذر الرماد في العيون (عبر إفراجات محدودة أو حوارات غير ملزمة) لامتصاص الاحتقان أو الضغوط.
تتجاهل السلطة أن الرأي العام المصري، الذي يبحث بطبيعة الحال عن الاقتصاد والأمن، بات يدرك العلاقة السببية بين السياسة والقمة العيش.
* الاقتصاد ابن السياسة: لا يمكن للاقتصاد أن يمضي ويتحسن إلا برؤية سياسية تعددية تحدد جوانبه المختلفة. فالاستثمار والتنمية يتطلبان رقابة برلمانية حقيقية على الموازنات ومكاشفة تمنع الهدر وسوء الإدارة. غياب السياسة هو الذي أنتج قرارات اقتصادية أحادية منفصلة عن واقع الشارع المعيشي.
* الأمن لا يتحقق عنوة: الأمن الحقيقي لا يتحقق بالبطش، وإرهاب المخالفين، وزجهم بالسجون؛ فهذا لا ينتج إلا استقراراً هشاً ومؤقتاً تحت الرماد.
* حماية الشعب لا حماية السلطة:
إن الأمن الاجتماعي بمفهومه الشامل يعني أن السلطة تحمي الشعب وتصون حقوقه، وليس أن تحمي السلطة نفسها فقط من النقد والتغيير. هذا الأمن لا يتحقق بجهاز الشرطة والقبضة الأمنية وحدها، بل هو قضية مجتمعية مركبة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ التعليم والتنمية، وتوفير حد الكفاية المعيشي، وإعلام حر، ومؤسسات تربية وتوعية حقيقية.
سادساً: اعترافات الغرف المغلقة.. تآكل مصداقية الإعلام المصري
كشفت وثائق وتقارير “لجنة تطوير الإعلام” المنبثقة رسمياً عن الدولة (نتاج 175 ساعة عمل و165 ورقة بحثية) الحقيقة المدوية دون رتوش:
الإعلام المصري فقد مصداقيته وتأثيره بالكامل وبات يغرق في الخسائر والديون نتيجة التوجيه الأحادي.
مؤشرات أزمة الإعلام المصري (وفق تقارير لجان التطوير الرسمية) |
• فقدان المصداقية والثقة: عزوف ما يقرب من نصف المصريين عن متابعة الإعلام المحلي لغياب الرواية المحايدة.
• أحادية الصوت والتوجيه: اختزال دور الإعلام في توجيه الرأي العام لحماية النظام وإظهاره في أحسن صورة وليس نقل الحقيقة المجردة.
• التراجع المهني وغياب المحتوى: تحول المنصات إلى نمط تعبيري واحد (صوت واحد وأسلوب مكرر) يخلو من التعددية ويجافي تطلعات الشباب.
• الفشل المالي والمؤسسي: غرق الهيئات الإعلامية والصحفية الرسمية في الديون والخسائر نتيجة غياب المنافسة والمهنية. |
لقد أثبتت التقارير الرسمية للدولة ما كان يحذر منه العقلاء؛ السيطرة الأمنية الكاملة على وسائل الإعلام وتأميم الفضاء الوعظي حوّلا المنصات الوطنية إلى أبواق بلا جمهور، مما ترك المواطن فريسة للشائعات والمنصات الخارجية.
خاتمة:
لا فتح للمجال دون تمكين الأحزاب ومجالس نيابية حقيقية
إن الخلاصة الصادمة والحتمية التي يجب أن يعيها صانع القرار في مصر، هي أنه لا يمكن فتح المجال السياسي دون تمكين حقيقي للأحزاب، وإقرار تمثيل نيابي حقيقي يعبر عن مختلف فئات الشعب (العمال، الفلاحين، المهنيين، والمعارضة الوطنية والمثقفين)، وهو ما يتطلب نسف القوانين الانتخابية المقيدة مثل “القوائم المطلقة المغلقة” والانتقال لنظام التمثيل النسبي العادل.
يجب أن تتوقف النخبة البرلمانية والسياسية عن العمل كـ “ممر آمن” لتمرير رغبات النظام وسياساته وقروضه دون مناقشة.
إن استمرار هندسة المجال العام لإنتاج “مجالس مستأنسة” وإعلام بلا مصداقية لن يحمي الدولة، بل يجفف قنواتها الشرعية، ويدفع المجتمع نحو الانفجار أو الارتماء في أحضان التنظيمات السرية.
لقد آن الأوان لتدرك السلطة أن فتح المجال السياسي ليس مكرمة أو رفاهية، بل هو “الممر الإجباري الوحيد” لإنقاذ أمن مصر واقتصادها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى