
الاشتهاء ليس معبراً للتملّك، بل هو انفجار الوعي الأول في عتمة الجسد؛ لمعةٌ مباغتة تعيد ترتيب فوضى الحواس. لكن المفارقة الوجودية تبدأ حين يتجرد هذه الاشتهاء من مادته، ليصبح جوعاً مزمناً لملامسة “وطن”؛ ذلك الكينونة الكامنة في عمق السديم، ملاذاً لروحٍ عليلة أدماها التعدد، فباتت تبحث عن الواحد الأحد في متاهات الانتماءكان يقتفي أثراً لخرائط الوجود في جغرافيا يسكنها “المقنّعون”. كائناتٌ هلامية تقيم صلوات العشق في محراب وثنٍ من وهم ؛ أنثى هي “التاريخ” في خرفه، أو “المادة” في عبثها، تجرّب فوق أرصفتها آلاف الأقنعة لتختبر احتمالات الزيف.
في حسابات بعضهم، هو الصفرُ والنهاية. لكنّ الصدمة المعرفية تكمن هنا: أن يكتشف أنه خارج العدّ والترتيب، ليس هزلاً قدرياً، بل هو “الانعتاق المطلق”. عندما يسقط من قوائمهم، وتحلّه الأقدار من “رقميته”، يصبح هو الحقيقة الوحيدة في سياقهم المزيف.
لن يشتهي بعد اليوم أن يكون فقاعةً يذروها الهباء، فالهباء هو فضاؤهم هم. ولن يستجدي عقارب الزمن لتصنع منه ظلاً لأحلامٍ مجهضة. السؤال الأزل: لماذا نتجرع حسرة خطيئة لم تقترفها خطانا؟ ليس سؤال عجز، بل هو إعلان انفصال عن إرثهم الموبوء.
هو لا يبحث عن حقيقة وسط حشرجات أنينهم، بل يعلن الكشف. ليشتهوا هم الأقنعة، أما هو فسيشتهي وطناً يُولد من رحم هذا الاغتراب؛ وطنٌ لا تحده خريطة، بل تصنعه الذات حين تتحرر من وهم الآخر.